تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
يقول : لما اطّلع المراقب بسمعه على كل ما انطوى عليه أفكاري وهواجسي التي هي بالنسبة إلى قولي وفعلي من باطن أمري أخبر بجميع هذه الأفكار النفسية وهواجسها التي هي باطن أمري كلّ من يسلك سبيل الطريقة والمحبة الذين هم أهل قبيلة الهوى وحيّ الطريقة وأفشى سرائر نفسي الخفيّة بينهم ، فإنه كان من أهل معرفة بهذا النوع من سرائري بسبب اطّلاعه بواسطة سمعه على جميعها .
كأنّ الكرام الكاتبين تنزّلوا ، على قلبه وحيا ، بما في صحيفتي كأن : حرف التشبيه ، والكرام : جمع كرم وهو اسم لما يجمع جميع الخصال الحميدة والأوصاف الجميلة ، كالشرف والسؤدد والخطر والنباهة ، وتجنب عن سفسافها ، والكاتب من الكتابة ، واسم الكرام الكاتبين واقع على ملائكة موصوفين بالشرف والنباهة والأمانة المثبتين أفعال المكلّفين وأقوالهم ونيّاتهم القريبة من الظهور بصورة القول أو الفعل في درج غير محسوس في النشأة الدنيوية ويصير محسوسا في النشأة الأخرويّة كسائر المعاني والأعراض ، وهؤلاء الملائكة يتنزّلون من مقام روحانيتهم إلى مرتبة الأجسام في مظاهر تناسب أحوالهم ونشأتهم ونشأة ما هم بصدده من الكتابة والوحي أصله الإشارة السريعة ، ثم استعمل في كل ما يلقى من قبل الحقّ تعالى أو الملائكة إلى الإنسان ، وذلك على ثلاثة أنحاء إمّا بواسطة تشخص رسول مشاهد بالحسّ ، فيسمع كلامه المحسوس ، وإمّا بسماع كلام من غير معاينة شخص كسماع موسى عليه السلام ، وإمّا بإلقاء شيء في القلب ، والمراد ههنا الثاني ، والصحيفة المبسوطة من كل شيء ، ثم استعمل فيما يكتب فيها قوله : وحيا نصب على التمييز ، يعني : كان تنزّلهم على قلبه وحي . يقول : لما اشتدّ توجه المراقب وقوي قصده نحو الوقوف على مقاصدي في الحب ومطالبي في الحبّ عند اشتداد ذبولي ، وقوّة ضعفي ونحولي وقف على سائر نفسي وآمالها من حضرة المحبوب ما كان جسمي حجابا عليها وقوف خباياها حيث لا يخفى عليه منها خافية ، حتى صار كأنّ الكرام الكاتبين الواقفين على ما يبدو من بني آدم من حيث قواه الظاهرة كالنطق والسمع والبصر ، ومن حيث قواه الباطنة أيضا كالوهم والخيال والمفكرة التي تصوّرت آثارها بصورة الهواجس وحديث النفس قد وقفوا - أعني الكرام الكاتبين - على تلك الصور الباطنة الوهمية الخيالية من نفسي وأثبتوها في صحيفتي ، ثم تنزّلوا بطريق الوحي على سمع هذا
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 180 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني