تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
تطلّبه والضمير في أذنه عائد إلى المراقب ، واسم ظلّ أذنه وخبره مضاف محذوف وهو أذن الخلد والضمير بها عائد إلى الأذن ، وفي به إلى الأولى ، والباء الأولى للاستعانة والثانية للتعدية فعل يدور وفاعل يدور هو المراقب ، أي بالأذن يحيط المراقب بفكري وفاعل أغنت الأذن ومفعوله محذوف ، وهو المراقب . يقول : لما بدا أي شيء من أحاديث نفسي وهواجسها وأفكارها المتعلّقة بحضرة المحبوب لسمع هذا المراقب بسبب شدّة توجّهه إلى إدراكها ، وبسبب خفاء أحكام جسمي وظهور ما كان باطنا في نفسي ازداد حينئذ توجّها وحرصا على إدراك كل فكر مني متعلق بحضرة المحبوب ، وصار أذنه لقوّة ذلك التوجّه في سرعة الإدراك كمال الالتماس له ، كأذن خلد بحيث لا يحتاج في ذلك الإدراك إلى رؤية العين لحصول المقصود لمجرد الأذن وسرعة إدراكاتها من فكري حتى إن هذا المراقب يحيط فكري إحاطة من حيث الظاهر بوساطة أذنه لشدّة ظهور فكري بسبب خفاء أحكام جسمي فأغنته أذنه في حصول مقصوده عن رؤية عينه إياي . فإن قلت : لم مال عن إيراد لفظة الإحاطة مع استوائهما في إقامة الوزن ؟ قلت : لأن الدوران إحاطة ظاهرة والإحاطة تشتمل الظاهر والباطن ، فلو ذكر بصيغة الإحاطة كان موهما بأنه أحاط لجميع أفكاره الروحية والقلبية والسرية جميعها ، ولم يحط علم المراقب إلّا بأفكار النفس التي هي حديثها في نفسها المتعلّق بظاهرها التي كان الجسم وأحكامها حجابا عن ظهورها لسائر الخلق دون أفكار الروح والنفس ، فلهذا خصّص لفظة الدوران بالذكر .
فأخبر من في الحيّ عنّي ، ظاهرا ، بباطن أمري ، وهو من أهل خبرتي الحيّ : القبيلة ، والمراد ههنا أهل الطريق والعشاق ، والخبر بضم الخاء وسكون الباء : العلم بالأشياء المعلومة من جهة الخبر ، والإخبار : الإعلام بما حصل من الخبر . وأمّا الخبرة ، فهي المعرفة ببواطن الأمور ، ومنها اشتقّ اسم الخبير والأمر لفظ عام متناول كل ما يتعلّق بشيء قولا وفعلا وحالا وقصدا ، وما يكون الشخص شارعا فيه ومتوجّها إليه ، وعلى هذا قال تعالى :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
[ هود : الآية 123 ] ، وقوله :
أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
[ الشّورى : الآية 53 ] ، والباء في قوله : بباطن أمري لتعدية أخبر ، وفاعله المراقب .