وأثرت آثارها في ظاهري بسكر النحول والذبول والغيبة والذهول بحيث غابت عن نفسي جميع أحكام الأجسام ، وخفيت عن فهمي وحسّي سائر أعلام الإسلام ، فحضر وظهر لتلك الغيبة والخفاء من باطني كل ما كان متعلّقا بحضرة محبوبي من الخواطر والهواجس والضمائر والآمال والأماني قصرت في حال هذا السكر النحولي منادما ومحدّثا لهواجس نفسي وخواطرها وجميع سرائرها وآمالها وضمائرها وتفاصيل سيرتي في الحبّ مع مراقبي وأظهر لقوّة الضعف والسكر ما كنت أخفيه عنه من أحوالي ومطالبي وآمالي في الحبّ من الحبّ بظهور هواجسي له بحيث :
ظهرت له وصفا ، وذاتي ، بحيث لا يراها لبلوى من جوى الحبّ ، أبلت
الوصف : ذكر الشيء بحليته ونعته ، والصفة : الحالة التي عليها الشيء من حليته ونعته ، وقيل : الصفة ما قام بالشيء من الجلية والنعت ، وقد يستعمل الوصف في معنى الصفة ، وهو المراد في البيت ، والذات في اللغة مؤنث ذو ، وهي مما يتوصل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس والأنواع ، ويضاف إلى الظاهر دون المضمر ويثنّى ويجمع ولا يستعمل إلّا مضافا ، وقد استعار أصحاب المعاني لفظة الذات فجعلوها عبارة عن الشيء جوهرا كان أو عرضا واستعملوها مفردة ومضافة إلى المضمر بالألف واللّام وأجروه مجرى النفس والخاصة فقالوا نفسه وذاته ، وليس ذلك من كلام العرب في شيء ، والمراد ههنا الجسم ، والبلوى : البلاء بمعنى : وأبلت من بلي الثوب وهو خلوقته ، وقوله : وصفا منصوب على التمييز ، والواو في قوله : وذاتي للحال ، واللّام في قوله : لبلوى للتعليل متعلّقة بحيث لا يراها ، وفاعل أبلت بلوى ومفعوله محذوف ، وهو الذات أي الجسم .
يقول : إن ظهوري للمراقب المذكور عند منادمتي ومحادثتي إياه بأسراري ومقاصدي في الحب إنما كان من حيث وصفي ، يعني : لم يكن ظاهرا له إلا وصفي الذي هو عين الهواجس والأفكار وحديث النفس بما يتعلق بحضرة المحبوب وجها حال كون ذاتي أي جسمي غير مرئيّة ، لأن بلاء الحب وجواه وحرقته أبلت جسمي وأفنته بالذبول والنحول المفرط ، فكنت مختفيا عن الرقيب بالذات وظاهرا له بالوصف ، وهو نطق النفس في الباطن مع نفسها .