فأبدت ، ولم ينطق لساني لسمعه ، هواجس نفسي سرّ ما عنه أخفت
قوله أبدت : أظهرت ، والهواجس جمع هاجس وهو ما وقع في النفس أو القلب ، ويقال : إنه حديث النفس في نفسها ، والنفس في اللغة يطلق على الذات وعلى الروح ، وفي الاصطلاح : عبارة عن بخار ضبابي منبعث من باطن القلب الصوري الصنوبري حامل لقوّة الحياة متجانس بأثر الروح الروحانية المرادة بقوله تعالى :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : الآية 29 ] الثابت تعيّنها في عالم الأرواح وأثرها واصل إلى هذا البخار الحامل للحياة ، فهي - أعني النفس - إذن هيئة اجتماعية من البخار وأثر الروح الروحانية ، وهذه النفس بحكم تجنسها بأثر الروح الروحانية متعيّنة لتدبير البدن الإنساني قابلة لمعاني الأمور وسفسافها ، كما قال عزّ من قائل :
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
( 8 ) [ الشّمس : الآية 8 ] ، وفاعل أبدت هواجس ، ومفعولها : سرّ ، وما موصولة صلتها أخفت ، والعائد محذوف ، وقوله : لم ينطق لساني ، جملة محلّها النصب على الحال من فاعل أبدت ، واللام في لسمعه لتعدية أبدت ، وضمير الهائين في سمعه وعنه عائد إلى المراقب المذكور في البيت السابق .
يقول : لما خفيت أوصاف ظاهر نفسي الذي هو البدن وقواه وأعضاؤه بسبب الضعف والنحول بحيث لم أقدر على النطق باللّسان حتى أحادث المراقب به عاد أمر منادمتي ومحادثتي إيّاه إلى نطق باطني الذي هو الهواجس وأحاديث النفس في باطنها لجميع آمالي وأحوالي في الحبّ من حضرة المحبوب ؛ فلا جرم أبدت هواجس نفسي لسمع المراقب حال عدم نطقي باللّسان سرّ شيء أخفته النفس عنه من أسرار حبّي وآمالي من حضرة محبوبي .
وظلّت ، لفكري ، أذنه خلدا بها يدور به ، عن رؤية العين أغنت
قوله : ظلّت ، أي : صارت ، لفكري : أي لأجل إدراك فكري على حذف المضاف ، والفكر : قوّة مطرقة للعلم إلى المعلوم ، والخلد : ضرب من نوع الفارة عمي لم يخلق لها عيون واحدها خلدة ، وفي المثل : فلان أنصت وأوعى من الخلد ، فإنها دائمة الإنصات والتطلّع إلى ما تحسّ به بأذنها ، ويقال : أدر فلان بالشيء يدور به ، أي أحاط به ، ومنه الدائرة التي هي الخط المحيط ، ومنه دائرة القمر لما حيط به نحو الدائرة ، وأغناه فلان عن كرى ، أي كفاه حتى أعرض عن