ظهور أثر ذكرها في ضمن كل ما ظهر من خواصّ النفس وآثارها الباطنة ، كالهواجس وأحاديثها في نفسها ، ولما كان المراقب عن أحوالي والمفتّش عن كيفيّاتها مما يتعلق بحضرة المحبوب وحبّها ، وكان من الفتية رقيق الحجب لعبوره على أكثر المقامات وقربه من ظهور آثار المكاشفات عليه كان متمكّنا من إدراك هواجسي المذكورة لشدّة توجّهه إلى إدراك ما يتعلق بحضرة المحبوب والحبّ من نفسي وضمائرها وأحاديثها في نفسها ، ولشدّة ظهور هواجسي بسبب ضعف ظاهري ، وحيث كان يمكنه من إدراك هواجسي بسبب كمال ضعفي وضنائي مبديا على المراقب صفات حقيقة نفسي وباطنها التي هي الهواجس المذكورة ، وهو معنى قوله :
وأبدى الضنى من خفيّ حقيقتي .
فنادمت في سكري ، النحول مراقبي ، بجملة أسراري ، وتفصيل سيرتي
النديم والندمان والمنادم : هو المشارب والمحادث على الشراب ، ولما كانت المنادمة مختصّة بحال الشرب الموجب للسكر ، والسكر مستلزم لإفشاء السرّ لذلك استعمل لفظة المنادمة في موضع المحادثة بالسرّ ، وعدى فعل المنادمة بحرف تعدية المحادثة وهي الباء ، فإنه يقال : حدّثته بكذا وكذا ، والنحول : دقّة في الجسم وهو مشتقّ من النحل ، فيقال : نحل جسمه نحولا ، أي صار جسمه في الدقّة كالنحل والنواحل من السيوف هي دقائق الضبأة ، والمراقب : المنتظر بأن يشرف على الشيء ، والمراد ههنا من يراقب أحواله من الفتية ليشرف على أسراره المتعلقة بحبّه وحبه ، وعلى مقاصده منها وعلى سيرته ، أي طريقته التي يسلكها في الحبّ ، والباء في قوله : بجملة متعلقة بنادمت بتضمين حادثت .
ومراقبي : مفعول نادمت .
يقول : لمّا جمعني وصحبي الفتية حانة أول طور الحب حتى شاركتهم في شربة النظرة الأولى وطربة التعلق الحبي بها ، وباينتهم في أنهم تقيدوا بقدح منظور معيّن مقيد ، واستغنيت أنا بحدقي عن ذلك القدح الأول المعين ، فكان مشربي الكأس المطلق الشامل كل كأس وقدح واختفيت عنهم بحبّي المطلق الكامل ، وحبي المحقّق الشامل بسبب نظرتي الأولى في منظور معين مقيّد أصبح كل واحد من صحبي متطلّعا ومتشوّقا إلى الاستشراف على غاية بغيتي ، ومفتّشا عن نهاية أمنيتي ، ومراقبا لأحوالي ومطالبي وآمالي حيث غلبت أحكام حميّا الحب بحرارتها وشدّتها على باطني بسكر الصبابة والشوق والحرقة والقلق ،