وقد برح التّبريح بي ، وأبادني ، وأبدى الضّنى منّي خفيّ حقيقتي
قد : حقيقته أنه إذا دخل على فعل ماض فإنما يدخل على المتجدّد فيه ، وإذا دخل على مستقبل فذلك لفعل يكون في حالة دون حالة ، وبرح : زال ، والبرح :
الشدّة ، يقال : برح به الأمر وبرح بفلان التقاضي ، وباد الشيء يبيد بيدا وبيودا أو بيادا : إذا هلك ، وأباده : أهلكه ، وأصله من التفرّق والتوزّع في البيداء ، فاستعمله في الهلاك ، وبدا يبدو بدوّا وبداء : ظهر ظهورا بيّنا ، وأبداه : أظهره بينا ، ويقال :
ضني ضني شديدا إذا كان به داء مخامر كلما ظنّ أنه بدأ نكس ، وأضناه المرض :
أنحله وأضعفه ، ويستعمل الضنى في النحول ، وخفى الشيء يخفي نحو علم يعلم :
استتر ، والخفيّ : فعيل بمعنى مفعول ، والحقيقة ما له ثبات ووجود لازم لها هذه لغتها . وأمّا في الاصطلاح ، فهي عبارة عمّا يضاف إليها وتقوم بها جميع الصفات واللّوازم والأعراض والأحوال بحيث تتحوّل هذه الصفات عليها وهي ثابتة على حالها لا يتحوّل ولا يتغيّر ، وقيل : بحيث صارت هذه الصفات كحقة محيطة بها وهي محفوفة عليها ، والباقي بي : حرف تعدية برح مشدّدا أو مخفّفا ، ومن للتبعيض ، وقوله : خفي حقيقي ، أي : خفيّ صفاتها على حذف المضاف ، ويحتمل في قوله : برح أن يكون تقرير معناه : على كونه مشدّدا وهو المشهور من الرواية ، لكن فيه تكرار لفظ واحد بمعنى واحد ، ويحتمل أن يكون مخفّفا ، وتقرير معناه على ذلك هو الأحسن عندي لكونه مطابقا لما راعاه الناظم من التنويع في المعنى دون اللفظ .
المعنى
: يقول : إن تشديد الحزن والشوق والقلق قد اشتدّ في ظاهري وباطني وأهلكني ذلك ، أو يقول : إن تشديدها أزالني عن صحتي وسلامتي وأوقعني في ورطة الهلاك ، وأظهر في ظاهر جسمي النحول والهزال بحيث أبدا هذا الهزال والضنى بإخفاء آثار ظاهر جسمي وخواص قواه الظاهرة كل ما كان مخفيّا من حقيقتي ، أي من نفسي وقواها وخواصّها الباطنة ؛ كالهواجس والآمال والأماني وأحاديث النفس مع نفسها ، وممّا كان ظهور خواص الجسم وآثاره الظاهرة مانعا من حصول تلك الهواجس حتى الإحساس والضبط والإدراك والتمييز الحاصل بتلك القوى والآثار الجسمانية ، فإن الضعف الجسماني والضنى والنحول مما تغيب عن الحسّ أحيانا ، وإذا لم يظهر من الأحكام الجسمانية شيء لغلبة الضنا والنحول من أثر الحبّ والنفس دائما ملأ من ذكر حضرة المحبوب ظاهرا وباطنا ، فلا بدّ من