الحب الذي مقتضاه الشدائد والآلام وغيره لا يصل إلى هذا المنزل إلّا بعد مدد كثير وزمان طويل ، فكان هذا المنزل مبدأ شروعه في مقاساة محنة المحبة ، وكان يتوارد عليه البلايا التي من مقتضى هذا المنزل دفعة واحدة لقوّة استعداده واقتضائه سرعة التجاوز عن هذا المنزل ، فكان جميع ما يتولى على كل عاشق من المحن والبلايا والآلام الشديدة في أزمنة كثيرة ، وكان آخرها ما يستدعيه إهلاك نفسه وإيقاعها في معرض التلف طلبا للخلاص من مقاساتها قد تحملها هذا الناظم مرّة واحدة كلّها في لحظة واحدة ، وكل ذلك في مبدأ أمره ، فكان آخر ما ألقى العشّاق إلى الرّدى بعض ما لاقاه في أول محنة محبّته ، ويدلّ على ما قلت سرعة انتقال نظره من الحسن المقيد إلى المطلق ، وسرعة انتقاله من طلب الرؤية إلى طلب
لَنْ تَرانِي
[ الأعراف : الآية 143 ] ، وتوجّهه إلى التحقّق بالصعق الذي هو آخر الطور الأول الحبّي ، ونحو ذلك :
فلو سمعت أذن الدّليل تأوّهي لآلام أسقام ، بجسمي ، أضرّت لأذكره كربي أذى عيش أزمة بمنقطعي ركب ، إذا العيس زمّت
الدلالة : ما يتوصّل به إلى معرفة شيء ، والدليل فعيل بمعنى فاعل منه وهو ما يتوصّل به إلى معرفة سبيل موصل إلى المقصد ، والتأوّه : أن يقول أوه ، وكل كلام يدلّ على ألم وحزن وتشكّ منه ، ومنه الأوّاه ، وقد يعبّر عن من يظهر خشية اللّه تعالى والآلام جمع ألم وهو إدراك غير الملائم والسقم ، والسقم : المرض المختص بالبدن ، والضرّ - بالضم - : سوء الحال في نفسه أو بدنه أو دينه أو ماله أو جاهه ، والضر - بالفتح - : جلب شيء مما ذكر ، يقال :
ضرّه يضرّه ضرّا وأضرّ به ، والجسم ما له طول وعرض وعمق ، والمراد هنا بدن الإنسان ، والذكر : استجلاء المذكور على النفس واستحضاره بواسطة اللّسان أو القلب .
أما عن نسيان تقدمه أو استدامة لظهور المذكور والحضور معه والأذكار والتذكير إنما هو الحمل على الاستحضار والاستجلاء ، والكرب : الغمّ الشديد ، يقال : كربت القيد عليه إذا ضيّقته ، وكربه الغم : إذا اشتدّ عليه ، والأذى : ما يصل من الضرر ، والعيش : حياة مختصّة بالإنسان والحيوان ، والأزمة : الشدّة ، والمنقطع المنفصل عن مقصده ومقصوده ، والرّكب : جمع راكب دابّة أو سفينة ، قال