تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
السلام الذي لم يكن إلا جسمانيّا متناهيا سببا ومسبّبا كبعض بليّتي الجسمانية والروحانية الغير المتناهية كلّها نظرا إلى سببها وأصلها ، وهذا الذي قلت أن حزني وبلائي أعظم من حزن يعقوب وبلاء أيوب عليهما السلام غير مخصوص بهما ، بل كل بلاء وحزن وعناء ألقى العشاق إلى الهلاك وحملهم على الرضا به وبإتلافهم وأنفسهم طلبا للخلاص من ذلك ، وللترقّي عن مقام يقتضي ذلك - أعني وسط الطور الأول من الحب كما ذكرنا - كان جميع ذلك من بعض ما تحمّلته في ابتداء أمر شروعي في السير ودخولي في دائرة الحب ، وهذا المعنى يذكره في هذا البيت :
وآخر ما لاقى الألى عشقوا ، إلى ال رّدى بعض ما لاقيت ، أوّل محنتي الآخر : مقابل الأول ، والأول ما يترتّب عليه غيره ويستعمل ظرفا ، ويستعمل في التقدم الزماني والرئاسي والوضعي النسبي والنظم الصناعي ، والآخر أيضا يستعمل في جميع ذلك لكن في التأخّر ويستعمل أيضا في انتهاء الشيء وهو المراد ، والإلقاء : طرح الشيء ، والألى : جمع لا واحد لها من لفظه واحدها الذي للمذكر ، والتي للمؤنّث والعشق شدّة الحب ، والرّدى : الهلاك ، والملاقاة : مقابلة الشيء ولقاؤه بالبصر أو بالبصيرة ، والمحن والامتحان : الاختبار ، والمحنة : اسم لما تختبر له وأوّل منصوب على الظرفية ، وإلى متعلقه لاقى .

المعنى

: لما تحقّق فيما سبق أن في وسط الطور الأول من الحب تتوارد المحن وتتوالى البلايا والآلام والحزن وتفتّت الكبد ونحو ذلك بحيث يرضى المحبّ بتلفه ليتخلّص منها أو يترقّى بالفناء عمّا يقتضي ذلك من وسط الطور الأول الحبي ، وربما يحمل نفسه على التلف نظرا وتطلّعا إلى أحد الأمرين المذكورين ، وهذا واقع بالنسبة إلى أغلب العشّاق في وسط أمرهم أو منتهاه . يقول : بناء على هذه المقدمة إن آخر ما يلقاه العشّاق من الآلام حتى ألقاهم ذلك إلى الهلاك والرّضا به هو بعض ما لاقيته أنا في ابتداء أمري . قلت : يحتمل أنه يشير بهذا إلى قوّة استعداده المقتضي سرعة سيره ، فكان يحتاج إلى رفع حجب عظيمة كثيرة في أقلّ من لمحة يسيرة ، فكان أوّل ما شرع في السير المحبي قطع منزل مبدأ الطور الأول الحبّي ، وارتقى بخطوة واحدة إلى وسطه ووقع في البلايا التي يقتضيها هذا المنزل - أعني وسط الطور الأول - من