فلولا زفيري أغرقتني أدمعي ، ولولا دموعي أحرقتني زفرتي
الزفير والزفرة : اغتراق النفس ، وقيل : ترديدها من شدّة غلبة الحرارة في الباطن ، والغرق : الرسوب في الماء أو في البلاء ، والإغراق : إيقاع الشيء في أحدهما حتى يرسب .
يقول : لمّا كان أصل دموعي وزفيري شيئا واحدا كما قرّرنا ، وكان انتشاؤهما على سبيل التكافؤ لا على وجه المغالبة ؛ لا جرم يمنع قوة أثر أحدهما غلبة قوّة الآخر عليه ، ولولا مكان تكافؤهما لكان كل واحد منهما أهلكني بالكلية بالغرق أو الحرق ، وإنما بقيت بقية من ذاتي وصفاتي وفهمي وإدراكي للذة النظر والسماع ، وإحساسي بالبلاء والعناء والآلام بسبب هذا التكافؤ والتمانع المذكور .
وحزني ، ما يعقوب بثّ أقلّه ، وكلّ بلى أيّوب بعض بليّتي
الحزن - بالفتح - : خشونة في الأرض ، وبالضم : خشونة ويبوسة في النفس من الغمّ ويضادّه الفرح ، وكل وضع لضمّ أجزاء ذات الشيء ، ويستعمل في ضمّ أجزاء ذاته وأحواله المختصّة به ، ويفيد معنى التمام ، والبعض : جزء منه ، والبلاء :
الاختيار ، والبلية : اسم منه ، وهو يكون في الخير والشرّ ؛ قال تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء : الآية 35 ] ، وحزني : مبتدأ ، وما : موصولة ، ويعقوب بثّ : صلته والعائد محذوف ، وأقله خبر ما ، وهذه الجملة خبر حزني هذا على تقدير رفع لام أقله ، وهو قيل نسخة مقروءة على الناظم ، وعلى تقدير نصبه على مفعولية بثّ ، فالصلة والموصول خبر حزني .
المعنى
: يقول لمّا كان أصل حزن يعقوب فقدان يوسف عليهما السلام ، وذلك الفقدان كان متناهيا ، ولهذا انتهى بالوصال كان مسبّبه أيضا متناهيا باجتماعهما عليهما السلام ، وأصل حزني لمّا كان كمال الحبّ الذي سببه الجمال الغير المتناهي ، كان حزني غير متناهي ، والمتناهي أقل قليل بالنسبة إلى غير المتناهي ، وما بثّه يعقوب عليه السلام بالنسبة إلى ما انطوى عليه قلبه كان قليلا ، فكان ما بثه يعقوب من الحزن أقلّ من أقلّ حزني ، وكذا كان كل بلاء أيوب عليه السلام نازلا بجسمه المتّصف بوصف التناهي ، والذي حلّ بي من بلاء الحب نازل بجسمي ، فأحدث فيه أسقاما وآلاما ونحولا وتفتّت كبدي دائما ، ونازل أيضا بروحي وقلبي ، فأحدث فيهما همّا وحزنا وحرقة وصبابة ، فكان كل بلاء أيوب عليه