اضطرام من باطنه يتضاعف بذلك تصاعد البخار المحرق المحترق منه لتضاعف سببه ، وهو توارد أثر الحرارة الحبّية واليبوسة الحزنية الغالب أثرها في الحرارة الحبّية على الحرارة الغريزية الأصلية ، وتصاعد ذلك البخار المحرق المحترق متضاعفا سببه يكون على نحوين أحدهما نحو الفم في ضمن النفس ، والآخر نحو الدماغ ، فالصاعد نحو الفم متيّما صادف قوة زائدة على قوة النفس من باطن المتنفّس ، فذاك هو الأنين والشهقة ، وإن لم يصادف قوة زائدة ظهر بصورة الزفير والزفرة .
وأمّا الصاعد نحو الدماغ ، فتتكيّف به الرطوبة الأصلية الحاصلة في الدماغ ويتسخّن بذلك ، فيحدث من ذلك ماء شبيها بالعرق ، ويسيل ذلك الماء لغزارته بقوّة سببه ويخرج عن منفذ العين بصورة الدمع لكون طبقات العين شفافة جدّا ، ثم يعبر من العين متجاوزا إلى الخدّين ، فتسمّى عبرة ، فإذا كان سبب العبرة كثرة البخار ، وسبب كثرة البخار شدّة الحرارة ، وسبب شدّة الحرارة قوّة الحبّ ، وسبب قوة الحب غزارة الجمال الذي لا تتناهى تفاصيل أوصافه ، فلا غرو أن تكون عبرة هذا المحب غير متناهية لعدم تناهي أصل سببها ، وطوفان نوح كان متناهيا لتناهي سببه وهو إمّا دعاء نوح عليه السلام ، أو أعمال قومه أو هما معا ، فكانت عبرة هذا المحب أغزر وأكثر نظرا إلى سببها وسبب حزنه والآلام والبلايا الحاصلة من الحبّ لما كانت غير متناهية كان مسبّبها أيضا كذلك ، ووقود نيران ألقي فيها الخليل صلوات اللّه وسلامه عليها كان متناهيا ؛ فلا جرم لهيب لوعته أقوى من ذلك ، فلذلك شبّه في البيت الآتي الطوفان والنيران بعبرته ولوعته على قاعدة تشبيه الأضعف بالأقوى ، وكذا في البيت الذي يليه :
فطوفان « نوح » عند نوحي كأدمعي وإيقاد نيران « الخليل » كلوعتي
الطوفان : أصله من الطوف ، وهو المشي حول الشيء ، فهو ينطلق على كل حادثة يحيط بالإنسان وغيره إلّا أنه صار متعارفا في الماء المتناهي في الكثرة ؛ لأجل أن الحادثة التي أطيفت بقوم نوح عليه السلام بدعائه كانت ماء ، والنوح مصدر ناح أي صاح بعويل ، والإيقاد : إضرام النار ، ونيران الخليل عليه السلام : ما أوقدها قوم نمرود شهرا وأوقعوه فيها ، فجعلت بردا وسلاما له ، واللّوعة : حرقة الحبّ .