فإن قلت : لم خصّص ذوق موسى عليه السلام بالذكر مع مشاكلة ذوقه ذوق الخليل عليه السلام كما قرّرت آنفا ؟
قلت : لأن سير الناظم محبي بدليل إضافة شرب شراب الحب إلى قوة من قوى نفسه كما كان سير موسى عليه السلام ، حيث أضيف مجيئه إلى الميقات إليه ، فقيل :
وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا
[ الأعراف : الآية 143 ] ، وإبراهيم عليه السلام سيره محبوبي بدليل أنه أري في صباه ومبدأ أمره ملكوت السماوات ، فكان سيره أنسب بسير موسى عليه السلام ، ولمشاركته أيضا في الحظوظ من سماع ( لن تراني ) ؛ لمراعاته شرائط الطلب ونصّه في قصيدته بقوله : ( فسمعي كليمي ) .
فإن قلت : لم قدّم السير الظاهري المحبي على الباطني المحبوبي مع كونه ترجمانا عن الذوق المحمدي صلى اللّه عليه وسلم في أكثر أبيات هذه القصيدة وسيره محبوبي صلى اللّه عليه وسلم ، بدليل إضافته إلى الحضرة الهوية ، كما قال :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ
[ الإسراء :
الآية 1 ] .
قلت : لمعنيين ، أحدهما : التنبيه على حكم ترجمانيته في ذكر هذا الذوق المحمّدي صلى اللّه عليه وسلم بلا حكم دعوى المشاركة فيه ، بل على سبيل الفهم فحسب ، ولو قدم السير المحبوبي لكان موهما دعوى تحقّقه به ، والمعنى الثاني وقوع سيره كما ذكر ، ولا يقدح ذلك في فهمه ذلك الذوق وحكايته عنه ، فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخير .
هوى عبرة نمّت به وجوّى نمت به حرق ، أدواؤها بي أودت
العبرة : هي الدمة باعتبار عبورها من باطن العين إلى ظاهرها متجاوزا عنها إلى الخدّين ، ونمت : من النميمة التي هي إظهار الحديث بالنقل ، قال الفراء :
يقال : إبل نمّة إذا لم يبق في أجوافها شيء ، والنمّام منه لأنه لا يبقي الكلام في باطنه ، والجوى : داء القلب ، والحرق : جمع حرقة ، وهي الاسم للأثر الحاصل في الشيء من الحرق أو الإحراق ، وحرق الشيء إيقاع حرارة فيه من غير لهب كحرق الثوب بالدقّ ، والإحراق إيقاع نار ذات لهب ، ويقال : نمى المال زاد ، والأدواء جمع داء وهو المرض ، وأودى فلان فلانا ، وأودى به أهلكه .
وقوله : هوى وجوى كل واحد منهما خبر مبتدأ محذوف تقديره هو ، أي الكامل الذي تفتّت به كبدي وأحسّت بذلك بهذه الإفاقة القائمة ببقيّة من بقايا