السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً
[ الأنعام : الآية 79 ] ، أي ما يلامن القيد إلى الإطلاق
وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ الأنعام : الآية 79 ] بحصره في قيد وتعيّن أو إطلاق في مقابلته ونفي أثره عن الوسائط والأسباب وإثباته دونها منحصرا في ذلك ، وهذا هو أصل التوحيد للتجلّي الفعلي وميزانه .
فقوله :
( وكأسي محيا من عن الحسن جلت )
على مشاكلة ذوق وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ، وإما بدوّ التجلّي الفعلي من جهة السمع وترتّب الحب عليه ، فإنما كان لموسى عليه الصلاة والسلام ، فإنه ظهر ذلك أولا من جهة السمع من سماعه الخطاب من صورة النار التي كانت عين حاجته عند شدّة توجّهه إلى الحضرة النورية بحرارة الطلب ، وثانيا ظهر له من جهة السمع أيضا من حيث صورة الشجرة عند تشاجر واقع بين روحه ونفسه ، ثم كانت خاتمة ذلك الذوق المختصّ به مثل فاتحته من جهة السمع عند سماع
لَنْ تَرانِي
[ الأعراف : الآية 143 ] ، فإنه سمع ذلك والتذّ به ومضى نحو المحو في التجلّي الحاصل في ضمن ذلك السماع إلى أن خرّ صعقا ، وانتهى بذلك إلى آخر الطور الأول الحبي ، وظهر عليه أثر ترقي الحب إلى مبدأ الطور الثاني بالتوبة المذكورة ، وكأن السماع والالتذاذ به لم يحصل له إلا بشيء من الإفاقة الحاصلة له قبل صعقته التي حملته تلك الإفاقة على طلب الرؤية ، فكان لأجل وجود تلك إفاقة وقيّا مهابه محتاجا إلى كمال السكر والصعق كيما يستريح فيه من مقاساة بلاء الحب وعنائه ، وينتهي فيه حكم الطور الأول ويترقّى الحبّ به إلى طوره الثاني ، فتحقّق له الإفاقة الثانية بسبب تحقّقه بعد الصعقة ببقاء الحقّ تعالى المعبّر عنه بقوله : « فإذا أحببته كنت سمعه وبصره » « 1 » ، الحديث ، وحيث زعم الناظم رحمه اللّه أن حاله يحاكي ويشابه حال موسى عليه السلام لا جرم كان في نقله وترقّيه من أول طور الحب إلى ثانيه طالبا لذّة الرؤية أو لذة السماع أن منع لذة الرؤية بكلمة
لَنْ تَرانِي
[ الأعراف : الآية 143 ] على نحو حال موسى عليه السلام ، وكان محتاجا إلى كمال السكر لوجود الإفاقة القائمة به الحاملة له على طلب اللذّة الموجبة للإحساس بتفتّت كبده بإحكام الحب وبحلول البلايا به ما لو حلت بالجبال لدكّتها حتى يتخلّص بكمال السكر عن جميع ذلك ويتأهّل لترقّي الحب به بعد ذلك السكر الكامل إلى طوره الثاني ، والتحقّق فيها ببقاء الحق ، وبالإفاقة الثانية كما تحقّق به موسى عليه السلام .
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .