تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
حبّك » « 1 » ، وقوله أيضا : « اجعل حبك أحب الأشياء إليّ » « 2 » ، يشير إلى عين هذا المقام والطور في الحبّ الحقيقي ، ويشير إلى أثره في الحبّ الوضعي قول مجنون ليلى : شغلني حبّك عنك . ثم اعلم أن هذا الحب الفعلي الظاهر تعلّقه من حيث المظاهر الكونية تارة يبدو بواسطة النظر إلى مظهر مدرك بالبصر ، ومرة يبدو بواسطة السمع والمظاهر المدركة بالبصر أربعة أنواع : نوع نسبته إلى النورية والظهور أكثر نظرا إلى ذاته كالشمس مثلا ، ونوع نسبته إلى الظلمة والخفاء نظرا إليه أشدّ كالكوكب ، ونوع متردّد بينهما كالقمر ، ونوع رابع جامع بين الجميع غير مقيّد بشيء منها ، بل نسبة الكلّ إليه على السواء ؛ فكان خليل اللّه [ إبراهيم ] صلى اللّه عليه وسلم حاله وفتحه في صباه وابتداء كشفه وهو في الغار ظهور التجلّي الفعلي أولا من جهة مظهر كوكبي بمناسبة أحكام غلبة النفس عليه ، فشاهد الحق - أعني فعله - الوحداني مقيّدا من خلال ظلال الأحكام الكونية النفسية ، فلما بدا له تعيّن بغلبة أثر الظلمة الكونية وخفاء النور الحقّي فيه ، قال :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
[ الأنعام : الآية 76 ] ، ثم شاهد ذلك في المظهر القمري بنسبة غلبة أحكام العقل الممتزجة بأحكام النفس وأحكام الروح عليه ، فلما غاب أثر النور الخفيّ في ظلمة الأحكام الكونية تحيّر وقال :
لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي
[ الأنعام : الآية 77 ] الذي لا تقبل حقيقته مغلوبية ، بل هو الغالب على كل شيء
لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
[ الأنعام : الآية 77 ] في بيداء الحيرة ، ثم شاهد ذلك في المظهر الشمسي بنسبة غلبة أحكام الروح الروحانية عليه أنور ، وفي النورية أظهر وأكبر ، فلمّا اشتمّ منها رائحة الحكم الكوني قال خطابا لما شاهده من جنسه في المفعولية والمخلوقية :
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
[ الأنعام : الآية 78 ] بإضافة شيء من الآثار إلى غير الفاعل الحقيقي الذي لا يتغيّر ، ثم شاهد ذلك في جميع الأشياء والمظاهر على السواء غير مقيّد بشيء ، بل مطلقا ظاهرا في كل شيء ، وذلك عند غيبته عن جميع الأحكام والأوصاف الكونيّة ، فقال :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، كتاب الدعاء . . . ، حديث رقم ( 1932 ) [ 1 / 708 ] ؛ والترمذي في صحيحه ، باب ومن سورة ص ، حديث رقم ( 3234 ) [ 3675 ] ؛ ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب ، حديث رقم ( 1966 ) [ 1 / 481 ] ؛ وأبو نعيم في حلية الأولياء ، ترجمة عباد بن عباد الخواص .