لذلك ، فتوضىء المحب حينئذ بتلافه ، بل يسعى في ذلك ويحمل نفسه على التسبّب له رجاء أن يتخلّص من البلاء والشدّة والعناء ، ولكن مع ذلك يتطلّع إلى لذّة تحصل له منه ثم تمضي إلى الفناء فيه ، وهذه الأبيات وما بعدها إلى قوله :
( وأفرط بي ضرّ تلاشت لمسه ) ، بيان هذه المرتبة الوسطى من الطور الأول الحبي ، ففي هذه المرتبة يكون المحبّ محتاجا إلى كمال السكر حتى يتخلّص من مقاساة البلاء والعناء التي يحسّ بها لوجود إفاقة حاصلة بحكم بقيّة من بقايا أنانيّته القائمة به بحكم وسط هذا الطور الأول الحبّي .
وأمّا حكم انتهاء هذا الطور الأول كمال السكر والغيبة وعدم الإحساس بكل ما يجري عليه ويقوم به من الآلام والأسقام ، بل عن نفسه وعن محبوبه أيضا ، وهو المعبّر عنه بالصعق والفناء الأول والمحو ، ومن قوله :
( وأفرط بي ضرّ تلاشت لمسه )
، إلى قوله : ( وبعد فحالي فيك ) قامت بنفسها بيان آخر رتبة الطور الأول الحبي المذكور ، ثم بعد ذلك يرتقي الحب بالمحبّ من أول طوره إلى ثانيه ووسطه ، وفي هذا الطور يحوّل الحب وجه المحبّ من نفسه إلى محبوبه بسبب فناء أكثر الأحكام الامتيازية ، فإذا أفاق من كمال سكره الذي هو آخر الطور الأول أصبح معاديا لنفسه وجميع حظوظها ولذّاتها المتعلّقة بغير المحبوب ، وبه أيضا من أجل أنه يلحظها كلّها حجبا حائلة بينه وبين كمال وصال محبوبه عريا عن كثافة ملابس المظاهر الكونية قائلا بلسان حاله : سبحانك ، أي : أنزّهك عن مشاركة شيء سواك في المحبوبية فلا محبوب سواك ولا مطلوب إلّا وجهك وللقاك تبت ، أي رجعت عن نفسي وأنانيتي وعن طلب كل لذّة وحظ عائد إليّ دونك وأنا أول المؤمنين ، يعني : بترقّي حبك بي من طوره الأول إلى الثاني ، ومنه إلى ما أترقّبه من الترقّي إلى طوره الثالث ، وأوّل المؤمنين أيضا بتجلّياتك الأسمائية والذاتية المتعلقة بهذين الطورين ، وهذا الثاني له أيضا ثلاث مراتب حكم مبدئية ظهور علوم وحكم وإلهامات وفراسات وأسرار عرفانية ، وحكم وسطه مكاشفات ومشاهدات إلهيّة ربانيّة ومعاينات حقّانية ، وحكم آخره فناء في فناء عن كل قيد وما يقابله من الإطلاق وغيره ومحق في سحاب الوجه والذات .
ثم يترقّى الحب بالمحب من كثرة نسبتي المحبّية والمحبوبية والظاهرية والباطنية إلى وحدة الحبّ الموحد إيّاهما حّكم حضرة الجمعية الذاتيّة ، فيشغله عين الحب عن كل صفة أو أثر إلهيّ أو كوني ينبئ عن بينية ما ، قوله « صلى اللّه عليه وسلم » : « أسألك