ومرقيه في أطواره ابتداء ووسطا وانتهاء ، فأول ما يبدو للسائر وفيه بصورة الباعث على النهضة والقومة من نومة الغفلة ، وعلى الإفاقة من سكرة الطبيعة له منه المشار إليه بقوله :
إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
[ الحجر : الآية 72 ] ، ثم يظهر بصورة الإرادة إلى من يدله إلى مطلوبه على أشدّ طريق وأرشده ، ثم يلوح بصورة داعية السير المجدّ وقطع العلائق ورفع العوائق ، ثم عند رفعه الحجب يتبيّن بصورة الميل العشقي المقيّد بمظهر جميل بوساطة تجلّي فعلي وحداني ، ثم يترقّى في الحب بالمحبّ الساتر فيشرق فيه متعلّقا بإطلاق الكمال من جهة الفعل الواحد الظاهر في جميع مظاهره التي هي المفعولات ، وفي كل مقام من هذه المقامات المذكورة يفني الحبّ شيئا من أحكام امتيازات المحبّ الحائلة بينه وبين وصال محبوبه ، ويزيل أثر من آثار بعده وأجنبيته عنه حتى يفني حظوظه المتعلقة بغير محبوبه ، روحية كانت تلك الحظوظ والعلوم والأخلاق ، أو نفسية حسّية كاللذّات المحسوسة ، أو وهمية كالآمال والأماني والجاه والحشمة وقبول الخلق ، إلّا الحظوظ المتعلقة بالمحبوب كلذّة رؤيته ولذّة سماع كلامه ونحو ذلك ، فإنها لا تفنى إلّا بانتهاء أول طور الحبّ .
واعلم أن الحبّ له ثلاثة أطوار كليّة : أول ووسط ونهاية .
ففي طوره الأول يجعل الحبّ وجه المحبّ عند تعلّقه بالمحبوب إلى عين المحب حتى يحبّ المحبوب لحبّ نفسه ، ولحصول لذّته منه وذلك تمرين وتلطّف من الحبّ بالمحب حتى يندرج في فناء الحظوظ وتطيع نفسه لتركها الحظوظ الخارجية تطلّعا إلى حظوظها ولذّتها من الحبوب ، وحالتئذ لا يكون إلّا محبّا لنفسه على الحقيقة في هذا الطور الأوّل ، وذلك مختصّ بمرتبة الحبّ الفعلي المترتّبة على التجلي الفعلي ، وهذا الطور الأوّل من الحبّ له أيضا ثلاث مراتب : بداية ووسط ونهاية ، فحكم بدايتها أن يسع المحب قدمه على بساط الانبساط مع المحبوب ، فيلتمس منه متوقعاته ويسأله حظوظه ولذّاته المتعلّقة به معاتبا له عند منعه إيّاه ومخاصما ومغاضبا أحيانا .
وحكم وسط هذا الطور الأول أن يتوغّل الحب في التأثير في المحب بالبلاء والعناء والإحراق والإفناء بإظهار أحواله ، أي أحوال الحبّ فيه كالشوق والقلق والوجد والعطش والهيمان عليه ، فتكاد أحكام هذه الأحوال أن تتلفه بالكليّة ، فيحس المحب في ذلك بتفتيت الحب كبده بحرارته وسورته وبنحوله وبكائه وزفيره