تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
خفية باقية فيّ من بقايا أنانيتي ، فانعمي على سمعي بأثقل منه وأكمل نعمة ، وهي كلمة لن تراني حتى يلتذّ بها سمعي لذّة خفية ، وفي انتهائها مضى إلى محو تلك البقية والحظوظ واللذّات المضافة إليها ، بل إلى محو الحضور والشعور بأنانيتي بالكلية سكرا وصعقا ، فإن شربة هذه الكلمة طابت في مذاق غيري ولذّت له وهو الكليم صلوات اللّه عليه لوجود إفاقة حاصلة له مضافة إلى بقيّة من أنانيته حاملة تلك الإفاقة له على طلب لذّة الرؤية قبل الصعق ، ثم أخّرت هذه الكلمة والتجلّي الحاصل في ضمنها لسمعه عليه السلام في محوه وتغيبه وتكميل سكره بما اندكّ الجبل لشدّته وقوّة قهره في تغييبه عن نفسه وحسّه ، ولصعوبة حاله عن الإحساس بذاته وصفاته وبما قام به من أحكام أول طور الحبّ حتى كمل سكره ومحوه وخرّ صعقا ، وحالي في جميع ذلك يحاكي ويشابه حاله عليه السلام ، فإن عندي أيضا حاجة إلى كمال سكري الذي هو سبب صعقة لأجل إفاقة حاصلة لي قبل كمال سكر الحبّ مضافة تلك الإفاقة إلى بقية منّي معبّرة بقولي قبل يفني الحب مني بقية موجبة لإحساسي بتفتّت كبدي لتأثير حرارة الحب فيه الذي لولاه لم يتفتّت كبدي بوجود تلك الإفاقة ، وموجبة هذه الإفاقة أيضا لإحساسي بحلول البلاء والعناء بي بسبب الهوى لو حلّ ذلك بالجبال وطور سينا معها لدكّت قبل التجلّي الموسوي ، فإذا أسمعتني كلمة لن تراني وظهر التجلّي الذي يتضمّنه كلام المتكلّم عند سماعه حصل لي كمال السكر ، كما حصل لموسى عليه السلام بذلك التجلّي كمال الصعق ، وحينئذ انمحيت وغبت فيه عن ذاتي وصفاتي وأنانيتي وجميع حظوظها ولذّاتها ، وعن الإحساس بالآلام والأسقام العظيمة الحالّة بظاهر نفسي وباطنها من النحول والزفير وتفتّت الكبد ونحو ذلك ، وانتهى بي الحب من التقلّب في أحوال طوره الأول ومراتبه وترقّى بي إلى طوره الثاني .

تنبيه موضح لما تقرّر :

اعلم أن الحب بموجب حكم : « فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف » « 1 » ، هو الأصل في كل توجّه إلى كل أمر كان ما كان من أي متوجّه يكون ، على أن الأفعال كلّها منسوبة إلى الحقّ عزّ وجلّ وإلى وجوده ومخلوقة له على الاعتقاد الصحيح المطابق للكشف الصريح ، فالحبّ هو السائر بكل محبّ
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .