وقوع فعلي هبي ويفني على بقية لصلاحيتها لذلك بطريق تنازع العاملين على معمول واحد ، وعلى هذا يكون نظرة المتلفت مصدر أراك من غير لفظه ، نحو :
قعدت جلسة وجلوسا ، واللام في لي متعلق بأراك حينئذ ، وفيه تكلّف والأول أولى ، وحالي في البيت الأول مبتدأ وشاهد بالصبابة خبره ، والواو في قوله : وقلت للعطف على وأبثثتها في البيت السابق وفي قوله : وحالي للحال ، وهذه الجملة الإسمية محلها النصب لكونها حالا من الجملة الفعلية التي مبتدأها قلت ، وخبرها هبي إلى آخر البيت ، والباء في بها للسببية ، أي بسبب وصلها أو غلبة حبّها على حذف المضاف .
المعنى
: يقول : لما استحكمت أحكام حميّا الحب في باطني وظاهري وغلبت حرارتها وسورتها جميع أحوالي وأوصافي وقهرتها بالتلاشي والإخفاء بحيث لم يظهر ولم يشهد فيّ من الأوصاف والأحوال إلّا أحكام الحبّ وآثاره مثل التحوّل والحرقة والبكاء والأنين والسكر والغيبة ونحو ذلك ، حتى صارت هذه الآثار الحبّية الظاهرة المشهودة في حالي ووصفي لا غيرها ، وظلّ هذا الحال المشهود الظاهر فيّ شاهدا مفصحا بصبابتي ومخبرا صادقا عن حرقة شوقي وكآبتي ، وهو معنى قوله : وحالي بالصبابة شاهد ، وكلّما لاح لي حال بارق وصل حضرة المحبوب من جلال جمالها أجد من تأثير الحب وسطوته وجدا في باطني بمحو أثري وفهمي وإدراكي بالكلية ، فلم أتفرّغ للتلذذ من أثر الوصل أصلا ، وهو معنى قوله : ووجدي بها ماحي أي بوصلها أو بغلبة حبّها ، وفقد ذلك الأثر الوصلي والوجد به أو بغلبة الحبّ الغالب بسببه يثبتني ويردني إلى أنانيّتي ، وإلى فهمي وإدراكي فأحجب حالتئذ بأنانيتي الناقصة والحضور معها عن وصلها الكامل ولذّتي به بالكلية وهو معنى ، والفقد مثبتي فأنا محروم عن اللذّة في الحالتين ، ففي هذا الحال أعني شهادة حالي ووصفي بالصبابة ومحو الوجد وإثبات الفقد إياي .
قلت لها : أسألك أن تهبين لي نظرة من يكثر الالتفات إلى لذّة آخر نظرة إلى حبّه عند الوداع ، والرحيل عنه حتى أتلذّذ بتلك النظرة ، وأرتحل بعد ذلك إلى الفناء والمحو عنها بل عني وعن فهمي وإدراكي ولذّتي بالكلّية قبل أن تفني حرارة الحب وسورته بقية مني من قوّة وأثر فهمي وإدراك أراك بها وأتلذّذ وأرتحل إلى الفناء في أثناء تلك الرؤية ، وأمّا تقرير الاحتمال والوجه الثاني أنه يقول : قلت لها في الحال المذكور هي بقية حالة الوصل الراحل بها لي ، أي رؤية محصلة للذة