الحضرة لاستحالة ذلك عليها تعالت أن يفوتها شيء يتضمن كمالا ، وأن يلحقها شيء يتضمّن نقصا .
فإن قلت : قد أخبر بقوله :
( وبالحدق استغنيت عن قدحي )
بأنه يشاهد حسّ بصره المحبوب في كل شيء ، فما مرمى طلبه الوصل الآن ؟
قلت : كان المقصود مما قال في ذلك البيت شهود الفعل وحسنه في المفعولات ، والآن يطلب وصل الفاعل من حيث أسمائه الحسنى وصفاته العلى أولا ، ثم من حيث ذاته ثانيا .
فإن قلت : بماذا أحسّ بما يقتضي اقتضاء الوصل بعد انقضاء الصحو المنبىء عن انفصال أثر العلم عنه والعقل ؟
قلت : كان إحساسه بذلك بحكم فطرة الحب بفطرة اللّب ، وذلك من باب
( فنحن سكوت والهوى يتكلّم )
، فإن الحب هو الحامل أولا وآخرا على جميع التوجّهات وقطع الحجب ورفع العادات وطلب الحاجات مرّة بلسان المقال ، وتارة بلسان الحال على أنه حاك والحالة هذه عما جرى له في أثناء سيره في أطوار الحبّ والعبور على المقامات ، لا أنه يحكي عن حاله في حال تلبّسه بها .
فإن قلت : كيف الوصل والرؤية وذلك محال في هذه النشأة الدنيوية ؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن أحدكم لن يرى ربّه حتى يموت » « 1 » .
قلت : نعم نقول بالموجب ، فإن السائر لا يرى ربّه حتى يموت عن جميع الأقسام والأحكام الدنيوية ويغيب وينقطع عن الإحساس بها وبالقوى والمدارك المختصّة أحكامها بهذه النشأة الدنياوية ، نعم وعن الأحكام الأخروية أيضا ، وحينئذ يكون ميتا موتا معنويّا ، بل وموتا صوريّا في تلك الحالة المعنية بالصعق ، فلم يكن حالتئذ في الدنيا ولا في الآخرة أيضا . ألا يرى أن المتوجّه إلى أمر وهمي كاللّعب بالشطرنج مثلا كيف يغيب فيه بحيث لم يشعر بشيء دون ما توجّه إليه ، فانتفاء الوهميّات والعقليات والحسّيات حالة التوجه إلى جنبة عالم الحق والحقيقة أشدّ وأقوى من انتفاء الحسيات وحدها حالة التوجّه إلى الوهميات والعقليات ، فتكون تلك الغيبة والانقطاع والانسلاخ موتا أشدّ وأقوى من الموت الطبيعي ، فإن النفس
هامش
( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لديّ من مصادر ومراجع .