في الموت الطبيعي لم تغب بالكلّية عن عالم الحسّ ، بل تكون شاعرة بها وبالأحكام التي تجري فيها على ما نصّ على ذلك الشارع في أحاديث صحاح ما يدلّ على شعورها وتلذّذها بما عمل وأنفق لأجلها ، وهذا المتوجّه إلى تلك الحضرة يستغرق في توجّهه بحيث ينسلخ عن جميع الملابس الحسّية والوهمية والعقلية والروحية ، حتى إنه لم يحس بشيء مما سوى من توجّه إليه البتّة ، وأصلا إلى حدّ أنه لو قطع في تلك الحالة من أعضائه لم يحسّ بذلك من جهة ألم أصلا ، فلم يكن هذا المتوجّه عند ذلك في الدنيا ولا في الآخرة ؛ فلا جرم صحّ في حقه أنه مات فرأى ، ولم ير حتى مات .
وأبثثتها ما بي ولم يك حاضري رقيب بقا « 1 » ، حظ بخلوة جلوتي
يقال : أبثثت فلانا سرّي أي أطلعته عليه ، ويقال : بثثت السرّ وأبثثته :
أظهرته ، والرقيب : الحافظ ، إما لمراعاة رقبة المحفوظ أو لرفعة رقبته ، والبقاء :
ثبات الشيء على حالته الأولى ، والحظ : النصيب المقدر ، والخلوة : قد يكون اسما للمكان المعدّ لأن يخلى فيه ، وقد يكون مصدرا لقولهم : خلا الشيء يخلو خلاء وخلوة ، والجلوة أصلها الجلو ، وهو الكشف ، ومنه جلوت العروس جلوة ، والسيف جلاء ، وما في قوله : ( ما بي ) موصولة صلتها فعل محذوف متعلق به الجار والمجرور ، مثل : قام ، ومحلها النصب بمفعولية أبثثتها ورقيب بقا حظ اسم لم يك وحاضري خبره المقدم عليه المضاف إلى ياء المتكلّم ، والخلوة : إن كان مصدرا فالباء فيه للاستعانة متعلّقة بأبثثتها ، وإن كان اسما فالباء بمعنى في متعلقة بحاضري ، وإنما أضيف الخلوة إلى الجلوة على التقديرين لأنها تعدّ لأجلها يمنع غيرها .
نقول : لما تمكّنت حرارة حميّا الحبّ من نفسي وغيبتي عن حسّي وأغفلتني عني وعن جميع حظوظي المتعلّقة بغير المحبوب بحيث صار قلبي خلوة خالية عن الحظوظ والأغيار معدّة لتجلي جمال حضرة المحبوب ، فلم أحس لمكان تلك الغيبة ووجود ذلك السكر بحضور رقيب من بقاء حظ يثبت حكم البينية والأجنبية بيني وبين تلك الحضرة تمنعني ذلك عن الانبساط معها بعرض الحال والمبادرة على السؤال وطلب الوصال ، ففي هذه الحالة أعني حالة عدم حضور الرقيب
هامش
( 1 ) في إحدى نسخ الديوان [ رقيب لها ] بدل [ رقيب بقا ] .