تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
تلك الأحوال لذّة إعجاب استراقا خفيّا ، وربما تجعل ذلك عكاز دلالة الخير في إظهار ذلك ، ولم يكن مقصودها إلّا لذة الجاه ولذة الإعجاب ، وقلّما يتفطّن السائر لذلك فيحدث بذلك سدّ أبواب مزيده وترقّيه والعوائق في مقام هو فيه ، وعدم التمكّن من الترقّي والتجاوز عنه ، ولا يتفطّن لهذا إلّا صاحب مراقبة ورعاية أنفاس ؛ فلهذا عدّوا الكتمان وسببه نعمة عظيمة موجبة للقيام بحقّ شكرها ، ولمّا كان سبب كتمان هذا الحال الشريف الذي هو الحبّ الكامل ومتعلّقه الشامل هؤلاء الفتية ، فإنهم اشتهروا بالتعلق والتعشّق بالصور الجميلة والنظر إليها والغرام بها ، وكان عموم الخلق أهل شهوة وطبع لم يتصوّروا النظر والميل إلى الصور الجميلة إلا لقضاء وطر الشهوة واللذّة المستلزم لهتك حرمة الشرع حتى أنكروا على هؤلاء الذين هم أهل النظر والتعلّق به ، وذمّوهم ورموهم بالفسق والإباحة والبطالة وأعرضوا عنهم وعن صحبتهم ومخالطتهم ، وكان الناظم مشاركا لهم في النظرة الأولى والظهور بوصف العشق بسببها بحيث توهّموا كلّهم أنه من جملتهم ، فخفي عليهم وعلى عموم الخلق أيضا بسببهم شريف حاله وسرّ كماله واستتر هو عنهم بهواه الكامل ومتعلّقه الشامل مع شهرته بينهم بالعشق الصوري والحب المنظوري ؛ لا جرم قال :
ففي حان سكري حان شكري
أي : في هذا المقام الحبّي الفعلي الذي شربت أنا وصحبي حميّا الحب من كأس محيّا صورة معينة فوقفوهم في وسطه وابتدائه ، وترقّيت أنا في نظرتي الأولى وانتهيت إلى انتهائه حتى كدت أن أتغيب عن نفسي وأغلب عن حسّي ، فيفوتني أداء حقوق كل ذي حقّ من المقامات وأهليها ، فقبيل فوت هذه الفرصة جاء أوان أداء حقوق شكري لصحبي الفتية على إنعامهم عليّ بأنهم صاروا سببا لكتمان هواي الكامل مع شهرتي بينهم بنفس الهوى ، وسلمت من غوائل قبول الخلق وشرب النفس وو ثباتها الخفيّة وسدّ أبواب المزيد على وجه توجّهاتي بواسطة التطلّع إلى إقبال الخلق عليّ ، ثم إنه حيث ذكر قرب غلبة سكره أعقبه بذكر تحقيق السكر ، وقال :
ولمّا انقضى صحوي تقاضيت وصلها ولم يغشني في بسطها ، قبض خشيتي انقضى الشيء : انفصل بحيث لم يبق منه شيء ، وتقاضى فلان دينه واقتضاه : طلب فصل الأمر بردّه وأدائه ، والصحو : ذهاب ما عرض بين المرء وعقله من