تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
ولمّا كان التحقّق بهذا المقام متوقّفا على المرور على أكثر المقامات الإسلامية والإيمانية ومقام الفتوة كما عرفت ، كان جامعا لمعظمها عبّر عن أهل هذا المقام بالفتية إعلاما بأنهم مع فتنة ظهورهم بصور العشق الصوري ، ووقوفهم مع التعلق بالحسن المنظوري هم أهل سلوك وسير وأصحاب طلب كمال وخير ، ومن الخواص المتخصّصين بتحقيق الأحوال والمقامات لا من العوام المنهمكين في استيفاء اللذّات والشهوات والمتهتّكين حرمات الطريقة والشريعة بسبب مطاوعة الشهوة والطبيعة . وإنما قال : حان سكري ، أي بلغ أوانه ؛ لأنه قد أحس بغلبة حميا الحب عليه وقرب استيلاء السكر والغيبة عن الإحساس بنفسه وأحواله إليه ، وبأنه عند تحقّق مغلوبية عقله وعلمه ومسلوبية إحساسه وفهمه يفوته أداء حقوق من له حق لديه خصوصا حقّ شكر هؤلاء الفتية الذي هو أوجب الحقوق ، فإنهم صاروا سببا لتمكّنه من نعمة كتمان حبّه عن عوام الأنام وخواصّ أهل الطريق ، على أن هذا الكتمان من أعظم النّعم لديه ، وأهم ما يجب أداء شكره عليه ، كما نذكر سبب ذلك عن قريب إن شاء اللّه تعالى ؛ فلأجل هذا الإحساس بغلبة السكر وخوف فوات أداء موجب الشكر ، قال : ( حان سكري ) . وأما موجب عد كتمان حبّه وإخفاء متعلق ذلك الحب وعدّ سبب الكتمان نعمة عظيمة أنه لما ظهر وغلب في هذا المقام المذكور حكم هذا الحب الشامل على نفس هذا المحبّ ، وشرع في إفناء أحكام المباينة والممايزة بينه وبين محبوبه وإزالة سائر موجبات بعده وتعيينه بحيث أفنت أكثر حظوظه المتعلقة بغير محبوبه لا الحظوظ المتعلّقة به ؛ كلذّة النظر والسماع ، فإنها لا تفنى في هذا المقام أصلا ، والحظوظ المتعلقة بغير المحبوب أقواها حكما وأشدّها تعلّقا بالنفس إنما هي الحظوظ الوهميّة كلذّة الجاه وحظ قبول الخلق وإقبالهم ، فإن آخر ما يفنى من الحظوظ هذا النوع وآثاره على ما ورد أن آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حبّ الجاه . أمّا الجاه عند الخلق ، فيخرج في هذا المقام ، وأمّا الجاه عند الحقّ كبلوغه إلى مقام الشفاعة ونحو ذلك ، فلم يخرج إلّا في انتهاء مقام الفناء في الفناء ، فلذلك أحبوا ستر أحوالهم الشريفة لكيلا يدخل عليهم بسبب ذلك داخل حبّ الجاه ، والقبول عند الخلق ، وخافوا أيضا أن تسترق النفس عند ظهور شيء من