أثرا مخصوصا من حقيقة الحب لا عينه ، المشار إليه بقوله : ( فإذا أحببته ) ، فإن ذلك العين إنما يظهر عند التجلّي الأسمائي والذاتي في القلب الحقيقي التقيّ النقيّ ، فكان متعلق هذا الأثر الحبّي المعبّر عنه بقوله : ( سقتني حميّا الحب ) بالنسبة إلى هذا الناظم عين هذا التجلّي الفعلي ، ولكن من جهة الحسن المطلق الذي نسبته إلى جميع المظاهر على السواء الذي عبّر عن ذلك الحسن المطلق بقوله : ( وكأسي محيّا من عن الحسن جلّت ) ، أي جلّت حضرة المنظور الذي هو متعلق حبي عن الحسن المقيد المفهوم المتعارف المعهود في الأذهان ، ولم يكن متعلّق حبّه عين التجلّي الفعلي من جهة حسن مقيّد ، فيتقيّد حبّه وتعلّقه بمنظور معيّن مقيد ؛ كما أشار إلى ذلك في البيت الذي بعد هذا البيت ، فإن أصحاب هذا التجلّي الفعلي والتعلق بالحب بسببه على طبقات بحسب تفاوت استعداداتهم ، فمنهم من أوقفه قصور استعداده على صورة معيّنة بحيث لا يحصل له التجلّي الفعلي إلّا من حيثية تلك الصورة ، ويتعلق حبّه بتلك الصورة ويتقيّد بها ولا يمكنه التجاوز عن صورة معيّنة .
غاية ما في الباب أن ينتقل من مقيد معين إلى مثله ، فلا يزال محصولا في قيد منظور معيّن إذا انصرم حبل تشبّث بآخر مدة حياته ، ومنهم من يعطيه قوة استعداده الجواز عن المعين المقيد إلى المطلق ، لكن يقع في معرض توقف لعارض ، فيجوز عنه عند زوال العارض بطيئا أو سريعا ، وربما يقع هذا العواق له مرارا كثيرة حتى يتخلّص من القيد ويترقّى إلى إطلاق رؤية هذا التجلّي في كل منظور ، ومنهم من يترقّى إلى الإطلاق بسرعة عظيمة مع أدنى توقف في منازله ، كحال الخليل عليه الصلوات والسلام ، ومنهم من يكون ترقّيه وجوازه بكمال استعداده في غاية سرعة كالبرق الخاطف بلا توقف وعوائق أصلا ، كسير صاحب ذوق
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
( 17 ) [ النّجم : الآية 17 ] ، فإنه لم يزغ بصره إلى شهود مقيّد متعيّن معين طرفة ، ولا طغى قلبه وحبّه إلى التطلّع بالآثار والأغيار لمحة قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لو كنت متّخذا خليلا لا تّخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخي وصاحبي وقد اتّخذ اللّه صاحبكم خليلا » « 1 » ، مشيرا إلى نفي هذا التقيّد وإثبات الترقّي بسرعة إلى رؤية الحسن المطلق وحبّه .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه وابن حبان في صحيحه ، ذكر إثبات المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، حديث رقم ( 6856 ) [ 15 / 272 ] ؛ ورواه غيرهما .