تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
والعرف على العموم : أحدها : حسّي ، وهو بين الأجزاء والأعضاء من جهة هيئتها وألوانها وبهجتها ونضارتها . وعقلي وهو في المعاني التي يتعلق إدراكها بالعقل نحو العدل والرحمة والوفاق ، ونحو ذلك . وروحاني ، وهو في الأخلاق خاصّة . وشرعي ، وذلك في الأمور الدينية ، كرعاية أمر الشارع ، ولزوم الجماعة ، والاعتقاد الصحيح ونحو ذلك ، ويضادّه القبح في جميع هذه الأنواع ، وثم للحسن رتبة خامسة عند اللّه وعند أهله خارجة عن مفهوم فهوم العامّة ، وعرفهم المتعلق بالمراتب الأربع المذكورة لا يضادّه قبح مفهوم في مقابلة مفهوم الحسن المتعارف متعلق ذلك الحسن في الرتبة الخامسة بحكم الموحد الحقّ تبارك وتعالى وأوصافه ، وهو المراد بقوله في البيت : ( من عن الحسن جلّت ) ، يعني : عن الحسن المفهوم عن المتعارف بحكم رتبة الأربع . وجلّ الشيء عن الشيء : عظم وكبر من إضافة ذلك الشيء وأوصافه وخواصّه إليه ، وإنما أنت المحبوب في جميع هذه القصيدة رعاية لأسلوب العرب العرباء ، فإنهم لم يذكروا المحبوب إلّا بصيغة التأنيث أو اعتبار التعظيم المحبوب ، فلم يذكره إلّا بإضمار الحضرة عند ذلك الذكر تعظيما لشأنه وتفخيما لذكره . وكأسي مبتدأ خبره المحيّا المضاف إلى موصول صلته جلّت ، وتأنيثه لما بينا . ومحل هذه الجملة الاسمية نصب على الحال من مفعول أول سقتني حميّا الحب ، أو من الثاني ، أو من الفاعل ، والأول أظهر وأوجه المعنى . اعلم أن التجلّيات الواردة على أهل اللّه تعالى ثلاثة أقسام : فعلية واسمية وذاتية ، ولكل واحد طرق وموارد ومراتب شتّى غير محصورة تفاصيلها إلا جملها . أمّا التجلّي الفعلي ، فإنه إنما يبدو عندما رقت حجب النفس وشفت بزوال آثار الانحرافات عنها وعن كل ما ينسب إليها من القوى والصّفات ، وخفّت أثقال أوزار الآمال والأماني وأحكام العادات والتعلّقات والتشوّقات عن ظهرها ، إمّا بمحض العناية والجذبة التي توازي عمل الثقلين ، وإما بالمداومة على الذكر أو التحقيق بالمقامات الإسلامية وأداء حقوقها وتعدّي بعض المقالات الإيمانية حتى بان فيها غلبة حكم الوحدة والعدالة ، وبان عنها حكم كثرة الأحكام الانحرافية واستيفاء الحظوظ البشرية والحيوانية ، وبدا أثر وحدة القلب النسبي الباطن في