حقيقة النفس ، أعني وصف عدالتها بين حكم الصور المحسوسة ، وبين حكم معنى الحياة ، وبين حكم أثر الروح الرّوحانية المضاف إليه التدبير للمزاج والصورة ، وسرى أثر تلك الوحدة والعدالة في جميع الصفات الأصلية ومظاهرها المضافة إلى النفس نحو البصر والسمع والنطق والعقل ، متى ما نظر هذا السائر عند ذلك ببصره المنصبغ بحكم هذه الوحدة والعدالة إلى شيء حال غلبتها على أحكام الكثرة والانحرافات لم يلف ذلك الشيء المدرك ببصره إلا حسنا ملائما معتدلا ؛ كما أن ذا اليرقان الغالب عليه المادة الصفراوية جدّا حال انصباغ عينه بأثر تلك المادة لا يلحظ شيئا من مدركات بصره إلا مصفرّا ، وخصوصا إذا كان منظورا لسائر الناظر شخصا إنسانيّا مختطيا بخطوة الحسن الصوري أو المعنوي كان اجتلاء الحسن ، ثم أتم وأكمل ثم وافق نظره ببصره المنصبغ بصبغة الوحدة والعدالة في حسن ذلك المنظور توجّه صحيح وحداني خالص إلى حضرة محبوبه ومطلوبه الحقّ تعالى وتقدّس ربما يتجرّد له من أثناء ذلك الحسن فعل الحقّ الساري في كل سبب ومسبّب ويتكشّف عليه من حيث ذلك القلب النسبي وحدة فعل الحقّ تعالى دون أن يتجلّى له الفاعل الحقيقي الحق تعالى وتقدّس مثل ما يشاهد الناظر في صورة صاحب اللعب بالصور الخيالية ، فإنه يشاهد أفعاله الظاهرة والصادرة في الحس من تلك الصور الجمادية ومن حركاتها وسكناتها أنها صادرة من ذلك الرجل المستتر بستارته بسبب شفوف حائلة بينه وبين فاعل تلك الأفعال التي يرى ويظن صدورها من تلك الصور الجمادية ، فيرى الذي تشف عنه الستارة فعل ذلك الفاعل دون أن يرى ذلك الفعل ، فكذلك ههنا ذلك عندما شفت حجبه ورقت يرى فعل الحقّ الوحداني ولا يرى الفاعل ، وذلك شهود من جهة عين اليقين لا علم اليقين المقيّد بحال الحجاب بالكلّية ، ولا حق اليقين المتعلق بشهود تجلّي الفاعل من حيث أسمائه وصفاته أو من حيث ذاته ، وبهذا الشهود يشتدّ طلب هذا السائر ويزداد جدّا في السير وقوة في التوجّه ، وحينئذ يجذب هذا التجلّي الوجداني الفعلي المشهود في لباس الحسن الوجداني المضاف إلى هذا المنظور عند نظرته الأولى فيه أثرا من حقيقة الحبّ الأصلي الساري في جميع الأشياء الكامن في حقيقة هذا السائر وسرّه والمحرّض والباعث له على هذا السير ، ويبرز ذلك الأثر من باطنه منجذبا إلى جاذبه الذي هو عين التجلّي الفعلي ووحدته وعدالته الظاهر بصورة حسن ذلك المنظور ، فيظهر ذلك الأثر الحبي المشار إليه بقوله : « حتى أحبه » إلى « حتى أظهر »
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 148
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٤٨