تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
نسبة ورابطة من جهات ثلاث : إحداها : من جهة الفعل الرابط بين الفاعل والمفعول ، وثانيها : من جهة الصفة التي هي القدر المشترك بين ذات الوصف والموصوف والقديم والمحدث ، وبين المتعين بالذات وبين المتعين بالغير وبالعرض ، وثالثها : من جهة الذات التي هي عين الوجود ، فتسري المحبة للطفها أولا في الفعل ، وثانيا في الصفة ، وثالثا في الذات ، فتزيل الأحكام الامتيازية بين الفاعل والمفعول ، ثم تزيل العوارض والنّسب والإضافات المجازية الطارئة على الصفات الأصلية ، كالسمع والبصر مثلا حتى يتوحد بإسقاط تلك النسب والإضافات عنها ؛ كما قال : « كنت سمعه وبصره » « 1 » ، ثم لا تبقي ولا تذر من غير وغيريّة لا عينا ولا أثرا ، فحيثما قوى ظهور المحبّة ترتّب عليه التوحيد ، وبالتوحيد تتحقّق المعرفة بسراية أثر المحبوب في المحب بموجب « فبي يسمع وبي يبصر وبي يعقل » « 1 » كما ذكرنا ، ثم بالرجوع من البداية إلى النهاية ، وبالجمع بين أحكامهما تبيّنت رتبة الكمال والتحقيق ، ثم فوق ذلك طور الأكملية المختصّة بالحضرة المحمدية صلى اللّه عليه وسلم الذي تصدّى الناظم لترجمانيّته . ولما كان الأمر كما تقرّر جعل مشرع قصيدته هذه من رتبة المحبة وذكر أطوارها لمعنيين : أحدهما ما ذكرنا أن مبدأ مراتب القرب والوصل والمقصود به إنما هي المحبة ، والمعنى الثاني تنبيه على حكم ترجمانيّته لصاحب رتبة الأكملية ، فإنه هو صاحب مقام المحبة بالأصالة ؛ لكونه صلى اللّه عليه وسلم هدف سهم ، « فأحببت أن أعرف » « 1 » ، ولهذا كان أعلم العلماء باللّه وكان حبيب اللّه من أخصّ أسمائه صلى اللّه عليه وسلم . ثم أردف تقرير أطوار المحبة بتقرير مراتب التوحيد والجمع ، وفي أثناء ذلك يرجع إلى التقرير ويتكلّم بلسان الإرشاد والهداية وذكر كلّيات مقامات السلوك على سبيل الإجمال ، ثم بنى على ذكر رتب التوحيد تقرير رتب المعرفة وخصائصها ، ثم أعقب ذلك بتقرير مراتب الكمال والتحقيق غير أنه قرّر أكثر هذه الرتب بلسان سراية حكم المقام المحمدي وأحدية جمعيّته في كل واحد من المراتب والأشياء ، وذلك بطريق الحكاية والترجمانية على ما سيتّضح لك بالتدريج في أثناء شرح الأبيات إن شاء اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .