على عين ذاتهما ، أو منتشئة من الذات من حيث اعتبار معنى أو صفة ، فالأوّل هو المناسبة والمحبة الذاتية .
الثاني إمّا أن يتعدى من ذلك المعنى أو الصفة أثر إلى غير أم لا ، فالأول سمّي مناسبة ومحبة فعلية كما بين الصانع ومصنوعه والكاتب ومكتوبه ، والثاني لا يخلو إمّا أن يكون لذلك المعنى ثبات ودوام فيمن قام به أو ظهر فيه أم لا ؟ والثاني هي المناسبة والمحبة الحالية كما تظهر في حال الوجد والسماع بين شخصين وتخفى بانتهاء تلك الحالة ، والأوّل إمّا أن يكون حكم المرتبة التي هي محل ظهور ذلك المعنى وقيامه بذلك الشخص ظاهرا وغالبا حالة تحقّق ظهور تلك النسبة الحبية في المحب والمحبوب عليهما أم لا ، فإن غلب ذلك كانت المحبة مرتبية كما بين مؤمن ومؤمن من جهة الإيمان ، وبين الولي والولي من جهة الولاية في نحو المتحابّين بجلال اللّه ، وإن لم يغلب حكم المرتبة والمعنى له ثبات ولا يتعدّى أثر إلى الغير ، فهي محبّة صفاتية كسائر التعلّقات الحبّية .
ولما كان الفعل والحال والمرتبة راجعة إلى الصفات كان أصلها صفاتية ، إلّا أن الفعل أشدّ خصوصية بالصفة لابتناء صفة التكوين عليه ، وأثر صفة الفعل أظهر وأبين في المفعولات والمصنوعات من غيرها من الصفات ، حتى إن أغلب الأسماء الإلهيّة ظهرت بهذه الصور الثلاث أسماء ذات ، وأسماء صفات ، وأسماء أفعال ؛ فلهذا أول ما بدا للسالك من التجلّيات هي التجلّيات الفعلية ، حيث يبدو له كل شيء حسنا جميلا ، ثم يبدو له من جلال ذلك الحسن والجمال الصوري أو المعنوي المنبىء عن الوحدة والعدالة بحكم التناسب والملائمة وحدة الفعل السارية في كل سبب وواسطة بها يظهر المسبّب والمفعول ، فتظهر المحبة بحكم جمعية وحدة الفعل بين المحبّ والمحبوب ، وذلك بعد تعديل قوى النفس وآلاتها الظاهرة بالرياضة والسلوك المستقيم على رعاية شرائطه أو بحكم الفطرة والعناية حتى ترق حجب النفس وتشفّ كما ظهر على صاحب القصيدة التي نحن بصدد شرحها أولا حبّ وتوحيد فعلي بدليل ذكره الرؤية أولا في مظهر حسّي ، فإن الرؤية في المظهر الحسّي لا تكون أولا إلا للمريد في ابتداء أمره تأنيسا له ، ثم في تجلّيه الظاهري لا يرى المظهر ، بل يغيب عنه عند شهوده وحدة التجلّي الوجودي الظاهري .
وأمّا في مقام التلبيس - كما ذكرنا - يرى المنتهى ويشهد في المظهر وفي غير المظهر ، وحيث كان صاحب القصيدة رضي اللّه عنه يذكر الترقّي والسلوك في
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 142
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٤٢