تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
وفي السير الثاني يخرق حجاب وحدة الوجود العيني الغالب أثره على الروح عن مرآة كثرة الشؤون النسبية المضافة إلى الوجود العلمي الباطني ، ليظهر التجلّي الباطني بخصائص تلك الكثرة النسبية ، وهي العلوم الغيبية والأسرار الآلية ، وبعد فتق الروح يحصل بين أحكامهما المتعلقة بحقيقتها الكونية ، وبين أحكام سرّها - أعني الوجود العيني المضاف إليها - وبين أوصافها امتزاج وفعل وانفعال ، كما جرى بينها وبين النفس أولا ، لكن ههنا ينسب الفعل إلى السرّ ، والانفعال إلى الرّوح ، فيتولّد من مشمّة الروح عند ذلك ولد قلب قابل للتجلّي الوجودي الباطني المشتمل على الشؤون وكثرتها النسبية مع مظاهرها التي هي الصور العلمية ليتحقّق بالسير في عرض هذه الحضرة الباطنية بكلّيات الأسماء السلبية ، فتدخل في مبدأ ظهور التجلّي الباطني في قسم الحقائق ، فتظهر عليه وبه وفيه أحكام هذا القسم . واعلم أن الشاهد في هذا القسم سرّ وجودي ظاهري ، والمشهود سرّ وجودي باطني ، بل يكون السرّ الظاهري مرآة للسرّ الباطني وأحكامه وآثاره ، فيكون السرّ الباطني بأحكامه وآثاره ظاهرا على السرّ الظاهري ، لكن يخفى عينه وآثاره عليه ، بل يكون كل واحد منهما مرآة للآخر بهذا الحكم المذكور ، فيظهر من بين ذلك حقيقة كل شيء وسرّه ، كما هو في حضرة العلم الأزلي بلا تغيير وتبديل ، فأوّل ما يبتدئ السر الباطني من وراء ستر رقيق من صفة أو حقيقة إلهيّة أو كونية لسرّ ظاهري ، ولكن من خلف حجاب شفاف من اسم إلهي مقيّد بحكم مختصّ بوصف ، ويسمّى ذلك مكاشفة لانكشاف حقيقة كل واحد منهما بحكمه ووصفه على الآخر ، ثم إذا بان كل واحد منهما للآخر بلا مظهر حقيقة وصفه ، لكن مع خصوصية وتميّز بسرّ ما علمي مدرج في كل واحد منهما ، فيسمّى مشاهدة ، ثم إذا عاين كل واحد منهما عين صاحبه بلا وصف وخصوصية إلّا كون هذا ظاهرا والآخر باطنا ، فيسمّى معاينة ، ثم إذا تجلّى كل واحد منهما للآخر بعينه ووصفه وخصوصيته ، ولكن لا يحجبه الوصف عن العين أيضا ، فهي حياة سارية فيهما ، وذلك الوصف وتلك الخصوصية . أمّا علم أو أمر جامع بينهما أو عين وجود تنصبغ جميع النسب بصبغته ، فيؤمن موت هذه الحياة كل واحد منهما من موت الاعتدال من الأحوال ، وعن الانفصال من عين هذا الاتّصال ، وعن موت الغيبة عن أزل الآزال ، فإذا كانت هذه