الزمان المسمّى باصطلاح القوم الوقت ، وهو الحال المتوسّط بين الماضي والمستقبل وله الدوام ، فإن هذه الحال هو الذي كان جميع المعلومات متعلّقا به وكائنا فيه في الحضرة العلمية ، فكلّ معلوم كان حاصلا في حصة معنوية منه بجميع توابعه ولواحقه ، وإضافة الوجود إليها أيضا متعلق به ، فلحظ سرّ هذا السائر أيضا كان متعلّقا بوقته وبما يقتضيه وقته حينئذ يصفو حاله عن أكدار الأغيار ، فكان اللّحظ والوقت والصفاء من مقاماته ، فيكون عند ذلك متلبّسا بمقام السرور بذاته ولحظه ووقته وصفائه .
وإذا كان حاصلا في الحال الذي هو لا زمان بالنسبة إلى شهود الأغيار ، فكان حاله الإسرار بحكم الوقت ، فلا يطّلع عليه وعلى حاله غيره البتّة ، وإليه الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم حكاية عن ربّه تعالى : « أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم سواي » « 1 » ، فيكون هذا الوليّ الصاحب للسرّ في هذا الحال صاحب نفس واحدة ، ويظهر أثر نفسه في نفسه بحسب حالة حجابيّته واستتاره لإعدام كل صورة توجب حجابه وستره وبعده ، وإيجاد صورة تستلزم كشفه وتجلّيه وقربه ، ويظهر ذلك الأثر بحسب حال كشفه وشهوده وتجلّيه بإحياء القلوب الميتة وإيجاد صورة في موضع وإعدامها في موضع آخر : ( أجد نفس الرحمن من قبل اليمن ) ، إشارة إلى هذا المقام بحسب الحالة الأولى ،
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
[ النمل : الآية 40 ] إشارة إليه بحسب الحالة الثانية ، فافهم .
ومن هذا حاله يكون في الغربة بين الخلق كائن معهم بصورته ، بائن عنهم بمعناه وسريرته ، راحل عنهم إلى أوطانه ، قاطن فيهم في مقرّ حدثانه ، فيكون في مقام الغرق في لجّة بحر القرب في غيبة عن الإحساس بالروح والنفس واللّب ، فيدخل باب التمكين بحيث لا يتأثر من التلوين - أعني تلوّن التجلّيات الظاهرية الأسمائية - بغلبة ظهور أحد الأسماء وأحكامه وآثاره على الآخر ، واعلم أن التلوين والتمكين يظهر كل واحد منهما بأثره وحكمه من حيث ثلاث مراتب :
الأولى : مرتبة التجلّي الظاهري ، فإن التلوين فيها تعاقب ظهور آثار الأسماء على قلب الشائر وسرّه متنوّعة الأحكام ومتلوّنة الآثار متميّزة الأوصاف ، فيحجب السائر كل واحد بأثر تميّزه وخصوصيّته عن حكم الآخر إلى أن يبدو بارق جمعية
هامش
( 1 ) أورده الإمام الجرجاني في التعريفات [ 1 / 295 ] .