تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
« وما يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه » « 1 » ، ويستقبل المتقرّب بموجب : « وإن أتاني يمشي أتيته هرولة » « 2 » آثار عناية حتى أحبّه ، فيلقي السيار حينئذ عصا تسياره وتنتهي مقاسمات شدائد كربة غربته وأستاره ، وتتداركه تلك الآثار الحبّية فتنقله من مقام الكون والبون إلى حضرة الصون والعون ، فيكون متحقّقا بحقيقة الفقر الذي هو الركن الرابع من قسم الأصول ، وهو الخلق الحقيقي عن جميع أحكام الغيرية حتى عن رؤية ذلك الخلوّ ، وعن نفي تلك الرؤية أيضا ، فإن اشتقاق الفقر لغة من أرض قفراء ، وهي التي لا نبات فيها ولا شيء أصلا ، فهو من المقلوب . ولمّا كانت نسبة الفاعلية إلى الروح الروحانية أقوى لشدّة ارتباطها بحضرة الوجوب بظهور أحكام وحدتها فيها ونسبة الانفعال إلى النفس الإنسانية الحيوانية أشدّ لقوّة ارتباطها بالحضرة الإمكانية بظهور أثر خصائصها التي هي الكثرة فيها ، وقد شاهد كل واحد من السرّ والروح والنفس تعلق ظهور كماله الخصيص به بالآخر ، والميل إلى الكمال حكم ذاتي ظاهر في كل واحد منها بحكم سراية المحبّة الأصلية الذاتية فيها كلها ، وبظهور حكمها والحالة هذه بحكم عناية حتى أحبه كما ذكرنا فيها ، حرّك ذلك الحكم الحبّي كل واحد منها نحو صاحبها ، فحنّت الروح الروحانية بأحكامها إلى النفس الإنسانية حنين الزوج الراضي إلى زوجته الموافقة ، وحنّت النفس أيضا بأحكامها وقواها الأصلية إلى الروح حنين الزوجة الراضية المرضية عن الزوج البارّ في حقّها ، ومال كل واحد منهما إلى صاحبه ، واجتمعا وامتزجا بكل ما تضمّن كل واحد منهما من الآثار الوحدانية
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب من جاهد نفسه في طاعة اللّه ، حديث رقم ( 6137 ) [ 5 / 3384 ] ؛ وابن حبان في صحيحه ، ذكر الإخبار عمّا يجب على المرء من الثقة باللّه ، حديث رقم ( 347 ) [ 2 / 58 ] ؛ ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه البخاري في صحيحه في بابين أحدهما باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي اللّه . . . ، حديث رقم ( 6970 ) [ 6 / 2694 ] ؛ ورواه مسلم في صحيحه في أبواب عدّة منها : كتاب الذّكر والدعاء والتوبة . . . ، حديث رقم ( 2675 ) [ 4 / 2061 ] ؛ ورواه غيرهما ونصّه : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه تعالى : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، وإن تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا ، وإن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة » .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 133 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني