تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
الاعتدالية امتزاجا آخر بطرز آخر ، فتولد بحكم اجتماعهما عن مشيمة جمعية النفس ولد قلب حقيقي جامع بين جميع أحكامهما وأحكام السرّ أيضا ظهور ولد رشيد بارّ بوالديه ، وصار هذا القلب الوحداني الجامع التقي النقي عن أحكام الانحرافات مرآة ومجلى للتجلي الوحداني الصفاتي المتعيّن من حضرة من حضرات الاسم الظاهر ، الذي كانت النفس بقواها وآلاتها مظهر تمام جلائه واستجلائه ، فشمل حكم هذا التجلّي جميع قواه الظاهرة ، فانشقّ رابع أبطن سمعه وبصره ونطقه حتى ظهر له بذلك أن ما كان مضافا إليه قبل هذا الشهود من هذه القوى والصفات في حال حجابيته إنما كانت كلّها مضافة إلى عين هذا التجلّي من حيث ظهوره في تنزّله إلى أنزل المراتب ، وكانت إضافتها إلى خلقيته مجازية لا حقيقية ، وحينئذ يكون السائر متخطّيا جميع المراتب الكونية ، وداخلا في مبدأ الحضرات الحقية المسمّى بمقام الإحسان ، وبانت له حقيقة : فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به إلى آخر ما نصّ به الخبر الصحيح « 1 » ؛ فعند ذلك ترقّيه المحبة الإلهية من مرتبة اسم إلى مرتبة اسم آخر أعلى منه حيطة وكلّية ، ويسير به من وادي وصف وأثر من أوصاف الأسماء وآثارها الظاهرة به وفيه من علم وحكمة وبصيرة قلبية سرية لا عقلية أو روحية ، ووادي فراسة يفترس فيها المغيبات الشاردة عن الأفهام سرّه بديهة لا نظرا واستدلالا ، ثم في وادي إلهام عند رجوع سرّه إلى حكم المظهر وحجابيته ، وهو - أعني الإلهام - علم رباني وارد على القلب منصبغ بحكم الحال الغالب والحاكم عليه حالتئذ ، ثم في وادي طمأنينة السر عقيب اضطراب حاصل من أثر هيبة ودهشة هي من أحكام جلال الغيب ، ثم في وادي سكينة واقعة عند تردّد من أثر تلك الأحكام ، ثم في وادي همّة مثيرة وشدّة انتهاض إلى معالي الأمور وإطلاقاتها ، وبعد قطع هذه الأودية تظهر هذه الحقيقة الحبية الظاهر والغالب حكمها على سرّ هذا السائر بموجب ، فإذا أحببته في قلبه وسرّه وروحه ونفسه خواصها وشؤونها وآثارها المتبوعة المتفرّعة بعضها من بعض لإزالة أنواع من أحكام البقايا الخفية من قيود كل واحد منها بأوصاف مختصّة به لا يطّلع السيار عليها البتّة . نعم ولإزالة عين تعيّنه وتقيّده به أيضا وتميّزه بأحكام ذلك التعيّن
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 134 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني