تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
فالأول هو القصد الصحيح في التوجه عن بصيرة وطمأنينة بحكم التجرّد والانقطاع عن كل ما يعوقه ، فإذا قصد فربما يعتريه في أثناء الجدّ في السير أثر شوف والتفات يسير إلى أثر من آثار ما يقطع وتجرّد عنه باق فيه يجرّه إلى وراء مع قوّة باعث السير ، فيحتاج إلى تقوية الباعث بقطع ذلك الأثر ، ويسمّى ذلك عزما ، وهو الركن الثاني لقسم الأصول ، وهذان الركنان يقوّيهما أمران ، فالقصد تقوية الإرادة الباعثة على الجد في السير ، والعزم يقوّيه الأدب الذي يظهر الخوف بصورة القبض والرجاء بصورة البسط ، ويراعي التوسّط بينها ، فإن اجتلاء قرب المقصد مما يوجب بسطا في حظوظ الطالب من مطلوبه ، وذلك سبب شدّة إقدامه ، واستقبال حضرة المحبوب وهيبته يستلزم قبضا مقتضيا إحجامه وفتوره في السير والأدب بحفظ التوسّط بينهما ، فلهذا يكون الأدب مقوّيا للعزم ، فإذا صح عزمه ورقت حجب خلقيته وانقطعت آثار تشوّفه وتلفّته إلى الأحكام الكونية الظلمانية الموجبة للجهل والتردّد حينئذ يظهر حكم : الركن الثالث : وهو اليقين من حيث رتبته الثانية ، التي هي عين اليقين الذي معناه السكون والاستقرار بالاستغناء عن الدليل باستجلاء العين بشهود الفعل الوحداني الساري في كل شيء ، وعن الخبر والإيمان به في جنح ليل الغيب بطلوع نجم شهود عينه ، أي عين الفعل ، فإن الرتبة الأولى من اليقين هو علم اليقين الذي معناه السكون والاطمئنان بما غاب بناء على قوّة دليله ، وهو متعلّق بمرتبة الإسلام ومبادئ المرتبة الإيمانية المرتبطة بحالة الحجاب بالكلّية . وأمّا رتبة حق اليقين ، فمتعلّقة بإسفار فجر التجلّيات الصفاتية أولا وطلوع شمس التجلّي الذاتي ثانيا في المرتبة الإحسانية ، ويدخل في هذا القسم الوسطاني من اليقين الأنس والذكر الباطني ، والإشارة إلى أن عين اليقين متعلق بشهود التجلّي الفعلي المتعلق بالمظهر الكوني في قوله تعالى :
ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ
( 7 ) [ التّكاثر : الآية 7 ] ، فالرؤية لا تكون إلّا في مظهر ، فإذا وصل السالك إلى هذا المقام تخلص الروح أيضا عن جميع قيود الانحرافات والالتفاتات ، وظهرت أحكام وحدتها وآثار بساطتها متميّزة عن أحكام النفس وكثرة قواها وآلاتها التدبيرية مع زوال آثار الانحرافات عنها ، وظهور وحدة جمعيّتها وظهور أثر تجلّي وحدة الفعل الوحداني المضاف إلى حضرة ربّها فيها وانتفت آثار المغالبة الواقعة بين رتبة السرّ والروح والنفس ، وتميّزت أحكام كل مرتبة عن الأخرى ، فيصل عند ذلك حكم :
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 132 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني