تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
أحدهما : قسم الأخلاق التي هي بمثابة الشروط في الصلاة ، والثاني قسم الأصول ، أعني أصول الطلب المترتّب عليها الوجدان - كما قلنا - التي هي بمنزلة الأركان في الصلاة ، فأعمّ الأخلاق حكما وأشملها أثرا إنما هو الصبر الذي لا يتمّ شيء من الأمور إلّا به ، وحقيقته حبس النفس الطاعات ولزوم الأمر والنهي . ثم على ترك رؤية الأعمال وترك الدعوى مع مطالبة الباطن كذلك ، وعلى الإعراض عن إظهار العلوم والأحوال وكل ما يبدو للروح من المواجيد والأسرار ، ثم حبس السر والروح عن الاضطراب في كل ما يبدو من الإلهامات والواردات والتجلّيات والثبات على ذلك ، ثم على مقامات البلايا لرؤيتها رافعة للحجب الدقيقة النورانية الدقيقة حتى يصير كل بلاء ومحنة بتلك الرؤية عطاء ومنحة ويصير وظيفة السالك ومقامه شكرا بعد أن كانت صبرا ، فالصبر يشمل حكمه جميع المقامات والأخلاف والأعمال والأحوال ، فإن جميع ما ذكرنا لا يتحقّق إلّا بحمل النفس تابعة كانت أو متبوعة على الثبات في التوجّه إلى تحقيقه ، وعلى مقاساة الشدّة في تصحيحه وتنقيحه ، فلا يخرج شيء عنه . والركن الثاني : إنما هو الشكر على نعمة التخليق أولا ، وعلى الهداية والتوفيق ثانيا ، وعلى التأييد في أداء حقوق الطريق ثالثا ، وعلى البلوغ إلى رتبة التحقيق رابعا ، ويندرج فيها الصدق والتواضع والحياء والخلق والإيثار والكرم والفتوة . والركن الثالث : الرضاء ، فإن معناه وحقيقته وجدان نفس السالك وروحه وسرّه لكل ما يبدو ويقع في الوجود صادرا من فعل اللّه تعالى مطابقا لمرادها ومحبوبها ، فلا تكره شيئا أصلا إلّا ما يكون مخالفا للشرع ، فتكرهه وتنكره بلسان الشرع موافقة له لا من كونه فعل اللّه تعالى الحكيم العليم ، فإذا تحقّق هذا الركن بهذه الأخلاق حينئذ تخفّ أثقال السائر ، فيشرع مجدّا في سيره ، فإنه حالتئذ يكون حاله في حصول مطلوبه والوصول إلى مقام محبوبه كحال من قطع البوادي حتى يكون مقصوده بمرأى منه ، فيكون محقّقا للركن الثاني ، ومقاماته التي هي بمنزلة الأركان من الصلاة ، وذلك أربعة أركان :