تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
المقام بدليل ترقّي هذه المحبة الفعلية إلى المحبة الصفاتية في باطنه ، وترقّيه بحكمها وتبعيّتها إلى مقام شهود الصفات ، ثم إلى فوق ذلك من أعلى المقامات ، ثم ترجع إلى تمام تقرير المقامات ، فنقول : إذا فنيت عن نفس هذا السالك في هذه الأقسام الثلاثة والمقامات الكلّية التسعة حجب أحكام الكثرة المذكورة وكثرتها وظهرت وحدتها ، وحصل له هذا النظر المذكور ، حينئذ ينتقل من مقام الإسلام الذي هو حدقة عين الإيمان إلى باطنه ، الذي هو نور حدقة الإيمان ، ولما كانت العلاقة بين النفس والروح والسرّ قوية جدّا ما دامت ظاهرة في هذه النشأة الدنيوية ، وكل واحد منها له نشأة مخصوصة به ، فنشأة النفس حسّية شهادية وحكمها مختصّ بمرتبة الإسلام ، ونشأة الروح غيبية إضافية كونية ، وحكمها مختصّ بباطن الإيمان وسرّه ، ونشأة السرّ غيبية حقيقية حقيّة وحكمه الإحسان ، ونشأة كل واحد غربة بالنسبة إلى غيره ، وكل نشأة ظهر وغلب أثره كان صاحبه في وطنه متتبّعا صاحبيه وهما غريبان فيه . لا جرم كانت النفس في مقام الإسلام مستتبعة للروح والسر في أمر رجوعها إلى مولاها وسلوكها سبيل الوصول عند تحقّقها بالمقامات المذكورة ، وإزالة الحجب عنها وشهودها فعل ربّها ، فلما انتهى سيرها بظهور وحدتها وانتفاء أحكام كثرتها آل أمر السير إلى الروح وتحقّقها بحقائق الإيمان بإزالة خفايا أحكام انحرافية باقية في أعيان الأخلاق أو أصول الأوصاف التي كانت آثارها وفروعها ظاهرة في النفس وقواها منحرفة متكثّرة ناقضة ، فأزيلت بالرياضة والتوبة والزهد والتفويض وغيرها تلك الانحرافات وأحكام الكثرة والنقصان القائمة بتلك الآثار والفروع عن النفس ، وبقيت خفايا منها في الأعيان والأصول القائمة بالروح لتأثر المنطبع من الأثر الحاصل في المرآة ، ولا بدّ من إزالتها حتى يكمل الإيمان ، فشرع الروح في السير لذلك ، واستتبعت النفس دفعا لتوقع الشر والسرّ جلبا للنفع ، فوقعت النفس في غربة ، فلهذا سمّيت هذه الرتبة الطلبية غربة ؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « طلب الحق غربة » « 1 » ، فإن حقيقة الطلب المترتّب عليه وجدان المطلوب المعني في قولهم الطلب والوجدان توأمان لم يتحقّق إلّا في هذه الرتبة الإيمانية ، وهذه الرتبة لها ركنان :
هامش
( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 1662 ) [ 2 / 53 ] .