وثالثها : التفويض الذي هو كلة الأمور كلّها قبل الوقوع وبعده إلى مجريها ، علما بأنه أعلم بمصالحه وأرحم وأشفق عليه منه ، وذلك بسبب وبلا سبب ، وما بسبب هو التوكّل ، وبلا سبب هو الثقة ، وفي مقابلة مزاحمة العقل والوهم هو التسليم ، فإذا تحقّقت النفس بهذه المقامات مع المداومة على الذكر بجمع الهمم ودفع الخواطر حينئذ تزول عنها أحكام الحجابية وكثرة أحكامها وآثارها ، فإذا ضعفت أحكام الكثرة في النفس ظهر أثر وحدة جمعيّتها الكامن في أحكام كثرتها ، وهو القلب الجزئي النسبي المختصّ بالنفس لا الحقيقي ، وظهر أيضا في ضمن ظهوره بصره وسمعه الخصيصان المنصبغان بحكم وحدته وعدالته ، فلا يرى كل ما ينظر بهذا البصر إلا حسنا جميلا ، ولا يسمع إلا كذلك ؛ فإن الحسن والجمال منبئان عن الملائمة في الأجزاء والألوان والأضواء ، وفي الأوصاف والأخلاق فهما متضمّنان معنى العدالة ومظهران لظهور أثر وحدة الفعل والصفة الوحدانيين بها ، والقبح مظهر خفاء ذلك الأثر لظهور أثر الكثرة المنسوبة إلى المفعول أو الموصوف ، لا إلى الفعل والصفة ، سواء كان الحسن والقبح معنويين أو صوريين ، وحينئذ يتجرّد بهذا النظر القلبي المضاف إلى السالك فعل اللّه تعالى الوحداني الساري في جميع الأشياء المتّصف بوصف الحسن - كما قلنا - وهذا هو التجلّي الفعلي .
وفي هذا المقام ربما يقع لهذا السالك بسلب نظره في بعض المظاهر الحسّية الحسنة من الصور الإنسانية التي هي أعظم المظاهر وأشملها حسنا وجمالا ولطفا وكمالا ميل حبّي إليه بحكم مناسبة فعلية ونسبة جمعيّة ، فإن المحبة - كما قلنا - عين البرزخية والجمعية بين المحبية والمحبوبية ، وذلك بأن يتجلّى الحق سبحانه الذي هو المحبوب الحقيقي من حيث فعله الوحداني الساري في جميع الأسباب والمسبّبات الظاهرة أثره على جميع الكائنات في مرآة تلك الصورة المنظورة له ، فيشاهد بها وفيها الحسن الشامل والجمال الكامل الذي هو صورة الفعل الوحداني المضاف إلى من يجل عن التقيّد بوصف فعلي أو غير ذلك حتى ينحصر في إضافة الحسن إليه ، فإن التجلّي بطريق الأفعال لا يكون أبدا إلّا في مظهر كما قدمنا ، فكان ذلك المظهر كأس قهوة المحبّة وحامل تلك القهوة إلى فم قلبه نظره ، ثم يعمّ حكم المحبة لعموم حكم شهود الحسن الفعلي في كل شيء محسوس ومعقول ومصنوع ، فكان مشرع هذه القصيدة التائية التي نحن بصدد شرحها ومبدئها من هذا
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 129
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٢٩