تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
وثالثة : الرياضة ، التي هي إزالة الشماس « 1 » عن النفس بقطع مألوفاتها ورفع عاداتها ومخالفة هواها ومراداتها وأعظم أركان الرياضة دوام الملازمة على الذكر ، ذكر لا إله إلّا اللّه على العموم ، أو ذكر آخر لإزالة قيد وحجاب معيّن على الخصوص عن تلقين مرشد ليكون أثره في إزالة ظلمة الحجب أقوى ، وعن حضور ودفع كل خاطر حتى خاطر الحقّ أيضا ، ومنع كل تفرقة تخطر بالبال ، وعن جميع كل هم غير المذكور وبتوجّه ساذج عن العقائد المقيّدة ، بل على اعتقاد ما يعلم الحق نفسه بنفسه في نفسه ، ويعلم كل شيء ، ويعلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويفهم ربّه وكل شيء منه ، ويدخل في هذا الباب باب القرار والمجاهدة والمكابدة ، فإذا صارت هذه الثلاثة ملكة النفس بتحقيق ما تضمّنته هذه الثلاثة حينئذ تستعد للدخول في قسم الأبواب الذي ملاك مقاماته أيضا ثلاثة : فأولها وأهمّها : الزهد ، وهو الترك والإعراض عن ما هو خارج عن ذاته من الأعراض والأغراض الظاهرة أولا ، وعن الباطنة منها ثانيا ، وعن كل ما هو غيره ثالثا ، وهو يتضمّن الرجاء والرغبة والتبتّل . وثانيها : الورع ، وهو الاحتراز عن كل ما فيه شوب انحراف شرعي أو شبهة مضرّة معنوية في كل ما تقوم به صورته الحسّية أو المعنوية بحكم النشأة ، وهو يتضمّن القناعة ، وهو صورة التقوى . وثالثها : الحزن على ما فات من الكمالات وأسبابها ، ويتضمّن ذلك الخوف والحذر والإشفاق والخشوع والإخبات وبتملّكه ناصية هذه الثلاثة يستحق المعاملة إعطاء من حظوظها وأخذ الحقوق ، فإذا شرعت أي النفس في القسم الثالث ، فأهمّ ما عليه أن يتحقّق بأول مقامات هذا القسم وأهمّه ، وهو الإخلاص الذي هو تصفية كل عمل قلبي أو قالبي من كل شوب ، ويتضمّن هذا المقام مقام التهذيب والاستقامة . وثانيها : المراقبة ، وهي دوام الملاحظة لما هو متوجّه إليه ظاهرا وباطنا ، وتندرج فيه الرعاية والحرمة .
هامش
( 1 ) الشّمس والشّموس من الدواب : الذي إذا نخس لم يستقر . وشمست الدابة والفرس تشمس شماسا وشموسا : شردت وجمحت ومنعت ظهرها ، وبه شماس . . . ورجل شموس : صعب الخلق . ( لسان العرب ) .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 128 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني