تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
أما المهم الأول : الذي هو الأخذ في السير ، فمنقسم على ثلاثة أقسام : كل قسم يتضمّن أمورا كلّية مهمة مسمّاة بالمقامات لإقامة النفس في كل واحد منها لتحقيق ما هو تحت حيطتها المتناوئة ظهورها على النفس المسمّاة أحوالا لتحوّلها ، فإن النفس الطارئة عليها الحجب المذكورة لها ثلاثة وجوه : أحدها : وجه توجّهها إلى تدبير البدن وتكميله وتوصيله إلى ما فيه نفعه عاجلا وآجلا على وجه جميل ، أي على وفق الشريعة بوساطة قواها ومداركها ومظاهرها ، ويسمى السير من هذا الوجه ومقاماته من قسم البدايات ، فإنه بداية الأخذ في استعداد السير بتقويم قوى النفس وتعديل آلاتها الظاهرة وتحصيل قواها وقوّتها الباطنة . وأمّا وجهها الثاني ، فهو وجه توجّهها إلى عينها ونفسها وتعديل صفاتها والنظر في عواقبها وتسكين ثباتها ، وهذا الوجه باب دخولها في السير من الظاهر إلى الباطن ، فيسمّى قسم الأبواب . وأمّا وجهها الثالث ، فهو وجه توجّهها إلى باطنها - أعني إلى الروح الروحانية - والسير الربانية واستمدادها منهما في إزالة الحجب وقبوله المدد في مقابلة إزالة كل حجب ، فلهذا يسمّى هذا القسم قسم المعاملات وملاك مقامات كل قسم منها ، وأهمّها ثلاث مقامات ، والباقي متمّمات هذه الثلاثة ومصحّحاتها . أمّا أهم مقامات قسم البدايات وملاكها ، فأوّل ذلك : مقام التوبة : وهي الرجوع من المخالفة إلى الموافقة ، ومن الطبع إلى الشرع ، ومن الظاهر إلى الباطن ، ومن الخلق إلى الحق ، ويدخل فيها اليقظة والإنابة والمحاسبة . وثانيها : الاعتصام بحبل اللّه الذي هو التعلق بأمر اللّه ونهيه وتأسيس جميع أفعاله وأقواله وأحواله عن يقين على الشريعة ، ويدخل فيه التفكّر والتذكّر والسماع والاعتصام باللّه بالتوثّق بجميع أسمائه وصفاته تعلّقا في مقام الإسلام ، وتخلّقا في مقام الإيمان ، وتحقّقا في مقام الإحسان .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 127 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني