تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
الانجذاب والتخلّص وخلع لباسات تلك الأحكام بحكم ظهور أثر قبل من قبل لا لعلّة ، وبموجب جذبة من جذبات الحقّ توازي عمل الثقلين ، فكان من الأولياء الذين أخرجهم اللّه تعالى من الظلمات إلى النور بلا سعي وكسب منهم أصلا ، أو ظهر النور الإيماني من باطنه ، ثم رأى عينه ومظهريه الروحاني والنفساني مسجونين كلّهم في سجن التلبّس بالأحكام الطبيعية وآثار الحجب الظلمانية متشبّثين بأذيال الأسباب المتفرّقة في حصول لذّاتهم وشهواتهم الحيوانية ، فقال السرّ الرحمني والفيض الربّاني مخاطبا لمظهريه ومنبّها لهما عن نومة الإعراض عن الأمر الحقيقي ، وعن الاستجابة للعزيز الجبار ، وعن سنّة الإقبال على الأمور الخيالية السريعة الزوال والانتقال والاستدبار :
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
( 39 ) [ يوسف : الآية 39 ] ؟ فعند ذلك تنبّهت النفس الإنسانية بباطنها وباطن باطنها عن نومتها واستيقظت من سنة غفلتها وأحسّت بنقصانها بتضييع زمانها ، فقالت : يا حسرتا على ما فرّطت في جنب اللّه ، وأحسّت أيضا بحجب متراكمة ظلمانية وقيود طبيعية محكمة إمكانية غالبة محتوية عليها منتشئة من أحكام عاداتها ومتابعة شهواتها ومراداتها ، وأحسّت أيضا حينئذ بأنه وجب ولزم عليها بحكم هذا التنبّه والإحساس ثلاث أمور مهمّة : أوّلها : الأخذ في السير والرجوع من مقار أحكام عاداتها وملازمة طلب حظوظها وشهواتها ومراداتها الزائلة الفانية الطبيعية الحيوانية ، وذلك بملازمة الأمر والنهي في جميع حركاتها وسكناتها قولا وفعلا ، وهذا الأخذ في السير متعلّق بمقام الإسلام . وثانيها : دخولها ، أي دخول النفس من حيث باطنها في الغربة بالانفصال عن مقرّها الحيوانية ومقام مألوفاتها الشهوانية ووطن ظهورها بصور كثراتها وانحرافاتها الجسمانية والشيطانية والاتّصال بحضرة باطنها وأحكام عدالته ووحدته من الأوصاف والأخلاق الملكية الروحانية ، وذلك متعلق بمرتبة الإيمان . وثالثها : حصول النفس من حيث سرّها على المشاهدة الجاذبة إلى عين التوحيد بطريق الفناء عن أحكام الحجب والقيود الطارئة عليها بالتنزّل والتلبّس بأحكام المراتب ، ونفض غبار آثار خلقيّتها عن أذيال حقّيتها ، وذلك متعلّق بمقام الإحسان .