تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
روحانيتها الذين هم الأرواح والملائكة الذين لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون بحكم خواص التركيبات والتطويرات والتكثّرات وأحكام التعويقات ، وغلبة أحكام الطبيعة والحيوانية عليها بحكم اقتضاء مرتبة الحسّ وبحسبه حتى غفلت عن أصل فطرتيها المذكورتين وأعرضت عنه متوجّهة إلى حظوظها وهواها ولذّاتها المختصّة بالنشأة الحسّية العاجلة ، فكانت كالنائم المعرض عن المحسوسيات الثابتة والمقيل على الخيالات الزائلة والغافل بها عنها ، فكان حكم هذه الغفلة والنوم والمحبوبية شاملا حقيقة الفيض والسر الوجودي وحقيقة الأثر الروحاني وحقيقة النفس الإنسانية الحيوانية . وبحكم غلبة أحكام الكثرة على هذه الحقائق الثلاثة انحرفت أخلاقها وأوصافها بالميل إمّا إلى جانب إفراط أو طرف تفريط بحكم المرتبة والنشأة ، وخفي لذلك الغلبة والانحراف والميل أثر القلب الوحداني الاعتدالي في كل واحد من النفس والروح والسرّ ، واندرج حكمه وأثره فيها ، بل استهلك بالنسبة إلى بعض الأشخاص كاستهلاك الصورة الإنسانية ومعناها في الممسوخين من بني إسرائيل ، وذلك بسبب ميل حقيقته الإنسانية أولا من عين الحضرة البرزخية العمائية إلى جانب الحقيقة الإمكانية بحكم الردّ الغير المعلّل المشار إليه في قولهم : قبل من قبل لا لعلّة ، ورد من ردّ لا لعلّة ، والإشارة إلى حكم ذلك الخفاء والاستهلاك ومراتب الخلق في ذلك قوله عزّ من قائل :
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
[ البقرة : الآية 74 ] الآية ، فأشدّ قسوة يشير إلى حكم استهلاك القلب وزوال قابلية ارتفاع أحكام الحجب عنه ، وكالحجارة يشير إلى خفاء القلب مع بقاء قابلية ظهوره وظهور آثاره برفع الحجب عنه ، وباقي الآية يشير إلى مراتب ظهور أحكام القابلية المذكورة . فمهما ظهر حكم السابقة المعبّر عنها بالعناية الأزليّة المشار إليها في قوله تعالى :
لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ يونس : الآية 2 ] في تشخص إنساني بحكم قلّة ميل حقيقته من الحضرة البرزخية إلى الحقيقة الإمكانية ، أو بحكم عدم ميلها منها أصلا حتى ظهر من باطنه أثر النور الفطري الإيماني إما بواسطة سمعه ، أو بلا واسطة ، فآمن بربّه وانقاد لحكمه ، ثم بعد ذلك انجذب من عين هذه الحجب والأحكام المذكورة وتخلّص من قيودها سرّه الوجودي المفاض على حقيقته ، والمضاف إليها إلى أصله واستتبع الأثر الروحاني والنفس الإنسانية في حكم ذلك