مظهر آخر مثالي ، وظهر بخواص ذلك اللّباس وأحكامه وآثاره ، وفي الثالثة بلباس مظهر حسّي وبدا بأوصافه وآثاره وخواصه ، وفي كل رتبة ظهر لم يكن مجلى تنزّله إلا أثر من تلك البرزخية التي هي على الحقيقة قلب تلك الصورة التي تلبس بها ذلك الفيض النفسي الروحاني .
ولهذا الفيض أيضا قلب وحداني جامع لما اشتمل عليه من تفاصيل آثاره وصفاته ، وحقيقة هذا القلب الوحداني ثابتة مركوزة في كل واحد من المظهر والظاهر الملتبس بأحكام المراتب والصور الروحانية والمثالية والحسّية ، وهو الذي قامت به الفطرة الأصلية التي فطر الخلق عليها حتى يسبّح كل شيء بحمد ربّه ويعلم صلاته وتسبيحه .
ولما ورد المدد الوجودي على كل ذرة ترابية مطيعة مجيبة بجواب بلى وأتينا طائعين بالفطرة لتعيين مزاج عنصري في عرض الاعتدال الإنساني مارّا على المراتب الكونية متلبّسا بصورها وأحكامها كما ذكرنا ، حتى بدا بصورة غذاء ، ثم استحال نطفة في الأبوين إلى أن ظهر مستقرّا في الرحم ، ثم تطوّر في الأطوار فيه حتى تمّت تسوية مزاج إنساني ، ثم ظهر من باطن القلب الصنوبري من أثر الحرارة الغريزية الحاصلة في سويداء بخار لطيف قابل بنسبة اللّطافة لقوة الحيوانية المسمّى ذلك البخار بها روحا حيوانيّة ، ثم نفخ عند ذلك من الروح الروحانية أثر روحاني معنوي تدبيري في ذلك بواسطة أو غير واسطة نفخا معنويّا ، فكانت نفسا إنسانية حيوانية ، وباين بذلك الأثر الروحاني سائر الأرواح الحيوانية ، إلّا أن آثار ذلك الأثر الروحاني المتعيّن من العالم العلوي الوحداني بأوصاف وحدته وعدالته ونزاهته صارت مغلوبة في آثار هذه الروح الحيوانية وأوصافها المتكثّرة الإمكانية بحكم اقتضاء مرتبة الحسّ وسلطنة الطبيعة فيها ، فكان ذلك الأثر الروحاني بتلك الغلبة محجوبا عن أصله ومنشئه وربّه ومبدئه ذلك الفيض النفسي الرحمني أيضا بحكم تلبّسه بلباس الأحكام المرتّبة وخواص التركيبات والأطوار وأحكام التعويقات المذكورة حجب بها عن أصله وعن أحكامه التنزيهية الوحدانية الأصلية ، وغفل عنه .
وهذه النفس الإنسانية التي قلنا إنها هيئة اجتماعية من البخار الضبابي والقوة الحيوانية والأثر الروحاني المباينة بذلك الأثر عن سائر الأرواح الحيوانية أيضا حجبت عن أصل فطرة ذرتها الجسمانية الأرضية المجيبة ببلى ، وفطرة أصل
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 124
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٢٤