غلبة أحكام النفس والحجب المذكورة هي الأمراض المزمنة ، فلا بدّ من استعمال العقاقير والمعاجين القولية والفعلية والحالية والخلقية حتى تظهر الصحة والعدالة بظهور الحقيقة القلبية ، وحينئذ يصح الاقتصار على ملازمة الأحكام الشرعية لحفظ الصحة على هذا القلب بحكم أثر الوحدة والعدالة السارية في الأحكام الشرعية من الأمر الوحداني الآتي بيان حقيقته ، وكيفية تعيّنه عن قريب إن شاء اللّه تعالى .
فعلى هذا يكون أهم المهمات للسالك الطالب وأعلى المطالب وأولى الأسباب والشرائط في سلوكه حصول شيخ مرشد وأصل عالم بالعلوم الثلاثة :
الشريعة والطريقة والحقيقة بصير عارف بحقائق الأمراض النفسانية والأدوية المزيلة لها ودقائق شهوات النفس وشرهها الخفي في كل شيء مندوب أو مباح ، فإن السالك بنفسه الواقع في مرض جهله وغفلته وأنواع الأمراض المذكورة آنفا هو بمثابة مريض غير خبير بحقيقة مرضه وعلاجه ، فيعالج مرضه بهواه ، وشهوته عن جهل به وبسببه وبما يضادّه من الأدوية ، فلربما توهم شيئا بأنه دواء ، وفيه يكون حتفه والذي نشاهده من بعض من ظنّ أنه من السالكين العارفين معجبا بنفسه مدّعيا بوهمه أنه ذاق وشرب شرابا من الشهود ، ولم يشمّ رائحة ولا ذاق قطرة منه ، ومظهرا عرفانا كسبيّا ظنّه كشفيّا شهوديّا وموحدا ناقصا يخال الإباحة توحيدا ، والزندقة معرفة حقيقية ، حتى ظنّ بعضهم وادّعى أنه مهدي أو عيسى أو قطب أو بدل أو نحو ذلك ، وجميع ذلك من نتائج السلوك بنفسه من غير شيخ مرشد ، والظنّ بأن الخلق والرياضة والاشتغال بالذكر بشهوة النفس وإراداتها واختيارها نافع أو موصل إلى حضرة من حضرات الحقّ تعالى وجلّ جناب الحق عن أن يكون موردا لكل وارد ، أو يطلع عليه إلّا واحد بعد واحد ، يعني واحدا في نفسه بفناء أوصافه عنه بعد واحد ، يعني على متابعة واحد لا يقع قدما في سيره إلّا بعده ، وبمتابعة قدمه ، فكان داء السالك بنفسه من حيث دواؤه وحتفه في عين علاجه أعاذنا اللّه وسائر الصادقين من شرور أنفسنا وظنونها المردية وأوهامها المطغية ، آمين رب العالمين .
فصل
وبعد ما تفهّمت أن أصل انتشاء الأسماء الإلهيّة والحقائق الكونية إنما كانت حقيقة الوحدة بباطنها الذي هو عين حقيقة الحقائق في المرتبة الأولى وبظاهرها