تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
غلبة أحكام النفس والحجب المذكورة هي الأمراض المزمنة ، فلا بدّ من استعمال العقاقير والمعاجين القولية والفعلية والحالية والخلقية حتى تظهر الصحة والعدالة بظهور الحقيقة القلبية ، وحينئذ يصح الاقتصار على ملازمة الأحكام الشرعية لحفظ الصحة على هذا القلب بحكم أثر الوحدة والعدالة السارية في الأحكام الشرعية من الأمر الوحداني الآتي بيان حقيقته ، وكيفية تعيّنه عن قريب إن شاء اللّه تعالى . فعلى هذا يكون أهم المهمات للسالك الطالب وأعلى المطالب وأولى الأسباب والشرائط في سلوكه حصول شيخ مرشد وأصل عالم بالعلوم الثلاثة : الشريعة والطريقة والحقيقة بصير عارف بحقائق الأمراض النفسانية والأدوية المزيلة لها ودقائق شهوات النفس وشرهها الخفي في كل شيء مندوب أو مباح ، فإن السالك بنفسه الواقع في مرض جهله وغفلته وأنواع الأمراض المذكورة آنفا هو بمثابة مريض غير خبير بحقيقة مرضه وعلاجه ، فيعالج مرضه بهواه ، وشهوته عن جهل به وبسببه وبما يضادّه من الأدوية ، فلربما توهم شيئا بأنه دواء ، وفيه يكون حتفه والذي نشاهده من بعض من ظنّ أنه من السالكين العارفين معجبا بنفسه مدّعيا بوهمه أنه ذاق وشرب شرابا من الشهود ، ولم يشمّ رائحة ولا ذاق قطرة منه ، ومظهرا عرفانا كسبيّا ظنّه كشفيّا شهوديّا وموحدا ناقصا يخال الإباحة توحيدا ، والزندقة معرفة حقيقية ، حتى ظنّ بعضهم وادّعى أنه مهدي أو عيسى أو قطب أو بدل أو نحو ذلك ، وجميع ذلك من نتائج السلوك بنفسه من غير شيخ مرشد ، والظنّ بأن الخلق والرياضة والاشتغال بالذكر بشهوة النفس وإراداتها واختيارها نافع أو موصل إلى حضرة من حضرات الحقّ تعالى وجلّ جناب الحق عن أن يكون موردا لكل وارد ، أو يطلع عليه إلّا واحد بعد واحد ، يعني واحدا في نفسه بفناء أوصافه عنه بعد واحد ، يعني على متابعة واحد لا يقع قدما في سيره إلّا بعده ، وبمتابعة قدمه ، فكان داء السالك بنفسه من حيث دواؤه وحتفه في عين علاجه أعاذنا اللّه وسائر الصادقين من شرور أنفسنا وظنونها المردية وأوهامها المطغية ، آمين رب العالمين .

فصل

وبعد ما تفهّمت أن أصل انتشاء الأسماء الإلهيّة والحقائق الكونية إنما كانت حقيقة الوحدة بباطنها الذي هو عين حقيقة الحقائق في المرتبة الأولى وبظاهرها
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 122 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني