ومعرفتها على الحقيقة ، ومعرفة خواص كل واحد منها وآثارها في كل سالك ومعرفة ما يزيل كل واحد من هذه الأحكام وما يضادّها بالنسبة إلى كل سالك من الأقوال والأذكار والأعمال القلبية والقالبية مختصّة بعالم صاحب بصيرة نافذة مؤيّد بشهود محقّق وعلم يقيني بمراتب الخلق وأسماء الحق ، واقف على أسرار المنازل والمقامات لتحقّقه بها صورة ومعنى ؛ كالأنبياء والرسل وكبار الأولياء والمشايخ ، فإن كل من قصد باب قرب الحقّ تعالى لا بدّ له من رفع هذه الحجب وإزالة هذه الأحكام ، وكما أن التعيّنات والتشكّلات والاتّصالات الفلكية والكوكبية من جهة أنها مظاهر لأسماء الحق وصفاته لها آثار وأحكام في عالم الكون والفساد لتبعيّته لها ، كذلك الحركات الإنسانية التي هي كالتشكّلات والاتّصالات القولية والفعلية من حيث أعضاء الإنسان وقواه التي كل واحد منها مظهر أيضا لاسم إلهي لها آثار وأحكام في الأفلاك وما فوقها لتبعية حقيقة العالم لحقيقة الإنسان في الأصل ، وإزالة تلك الأحكام التعويقية من جملتها ، ومنها أيضا أكثر الصور البرزخية والجنانية والحجبية ، فاعلم ذلك .
وعلى العموم ، فالشريعة هي المعينة لبعض تلك الأقوال والأفعال والحركات والسكنات ، المزيلة لبعض حجب أحكام التعريفات المذكورة والعوارض الطارئة على الفيض الوجودي بقوّة الوحدة والعدالة السارية من الأمر الإلهي ، ونهيه في تلك الأفعال والأقوال المشروعة ، وعلى الخصوص علماء الطريقة والحقيقة الذين هم كبار المشايخ وأطباء تلك العلل والأمراض المعنوية ، فإنهم بنفوذ بصائرهم يشاهدون تلك الأمراض في كل طالب ، ويعالجون كل مرض بعقاقير ومعاجين من الأذكار والأعمال والرياضات والمجاهدات والمكابرات ومخالفات النفوس في ترك الاختيار والزهد والتجريد والتفريد ونحو ذلك مما يضادّ كل واحد منها لكل واحد من تلك الأمراض الحاصلة في نفس هذا السالك الساري أثرها إلى روحه وسرّه ، إلى أن تزول الأمراض ويظهر اعتدال المزاج المعنوي الذي هو القلب الوحداني الاعتدالي ، فإن ملازمة الأحكام الشرعية بمثابة ما يحفظ به الصحة من الشراب والغذاء في الطب الصوري ، وعند غلبة كيفية وخلط من الأخلاط وثوران مادة من المواد لا ينفع الاقتصار على ما يحفظ به الصحة والعدالة في المزاج ، بل لا بدّ من استعمال أدوية تضادّ بالخاصية لما كان سببا للمرض من المادة والخلط إلى أن تتكافأ وتتعادل الأخلاط ، وحينئذ يصح أن يقتصر على ما به يحفظ الصحة ، وهكذا
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 121
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٢١