تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
أهل الفهم والتحقيق أن الذي أنزل عليك الأمر مجموعا كلّه حقّا وخلقا مجملا ومفصّلا حتى كنت أنت بحقيقتك ووجودك ومعناك وصورتك أحديّة جمع ذلك المجموع كتابا فعليّا وقوليّا لا بدّ أن يردك إلى أعلى معاد وأعظم مرجع هو جناب ربّك الذي هو منتهى الكل على ما قلنا :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
( 42 ) [ النّجم : الآية 42 ] ، فكان مظهرا جامعا للأسماء كلّها الذاتية منها والصفاتية الثابتة في الرتبة الأولى مجملة ، وفي المرتبة الثانية مصوّرة مفصلة ، ولمظاهرها كلّها من حيث نقطة اعتدال كل واحد في تنزل نوره صلى اللّه عليه وسلم ، ومروره على جميع المراتب ، إلى أن أظهر بهذه الصورة الأكمليّة المحمدية صلى اللّه عليه وسلم ، فكان جملة لما تفصّل من آدم صورة ومعنى ؛ كما كان آدم جملة لتفصيل العالم صورة ومعنى أيضا لينصبغ كل واحد منها من حيث هذا المظهر الأحدي الجمعي الكلّي بصبغة الكمال الذاتي ، فيشتمل بذلك كل واحد على الكل بلا ظهور أثر شيء من قبل التميّز والاختصاص أصلا بعد انصباغه بالكمال الأسمائي والحكم التميّزي الاختصاصي ورجوعه بذلك إلى الحضرة التي هي المنتهى ، فكان اجتماع حقيقة الولاية مع حقيقة النبوّة فيه على السواء ، بحيث لا يغلب حكم أحديهما على الأخرى غالبا ، وإليه الإشارة بقوله :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً
[ الأحزاب : الآية 45 ] . وأحيانا تغلب الولاية على النبوّة فيه ؛ كما قال :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
[ الفتح : الآية 10 ] ، وقوله : « إن لي مع اللّه وقتا لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل » ، ووقتا يغلب حكم النبوّة على حكم الولاية فيه ، بدليل قوله تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ
[ سبأ : الآية 46 ] ، وبقوله :
وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
[ الأحقاف : الآية 9 ] . ولمّا كان صلى اللّه عليه وسلم صاحب عود ورجوع وعروج ؛ كما أن آدم كان صاحب هبوط ونزول ، لا جرم انتهى حكم النزول إليه ، والنبوّة لما كانت متعلّقة بالنزول بحسب مقتضى سلطنة الأدوار الجزئية والكلية ليتبين ما يتعلق به الكمال الظاهر المناسب لذلك الزمان ، وقد تمّ وحصل وفرغ من ذلك ؛ فلا جرم ختم به النبوّة ، فلا نبيّ بعده أصلا ، وظهرت النبوّة فيه مع ظهور الولاية على السّواء بحكم تحقّقه بحقيقة السوائيّة في الأصل ، بل كانت حقيقته عين السوائيّة بين الأول والآخر والظاهر والباطن ، بلا ميل وغلبة ومغلوبية أصلا كما قدمنا ، ثم اشتقت الولاية منه وظهرت متميّزة عن النبوّة فيمن كان أقرب منه صلى اللّه عليه وسلم .