والزمان كما قدمنا يشبه أن يكون صورة للمرتبة الحسّية لكون كل واحد منهما ظرفا ومحلّا محتويا على جميع المحسوسات ، ولكل محل وظرف حكم وأثر ظاهر في الحال المظروف ، بحيث إنه لا يظهر المظروف إلّا بحسب الظرف وحكمه كما بينا ، وأحكام الزمان وآثاره متفاوتة الظهور بحسب تفاوت أحكام سلطنة الأدوار الفلكية والكوكبية .
فالنقطة الوسطية الاعتدالية الوحدانية من كل مظهر متعلق به حكم الزمان من مظاهر الأسماء الكلّية المتبوعة إنما هي حقيقة النبوّة ، فإنها مرتفعة بعد انتهاء وحدتها عن سائر جهات ذلك المظهر ، ولكونها مخبرة منبئة عن وحدة الاسم الذي كانت تلك الصورة مظهره .
والنبوّة إن اعتبرت مهموزة ، فهي من الإنباء الإخبار ، وإن اعتبرت غير مهموزة فهي من النبوّة - بفتح النون وسكون الباء - وهي الارتفاع .
ولمّا كان كل إنسان متبوع منسوبا من حيث وجوده وحقيقته إلى اسم وحقيقة من تلك الأسماء والحقائق الإلهيّة الكلّية المتبوعة بحيث يكون مبدؤه ذلك الاسم والحقيقة ومرجعه ومنتهاه عند رجوعه وعوده لا يكون إلّا إليهما ، فمهما تخلّص من قيد الأكوان إمّا بالسلوك وإما بالجذبة متوجّها إلى ربّه ، وعاد إلى أصله الذي هو عين اسم من تلك الأسماء المتبوعة ، وتحقّق بالنقطة الاعتدالية الوحدانية التي هي عين الولاية حينئذ يكون ذلك الإنسان المتحقّق بتلك النقطة وليّا مقرّبا ، ثم إذا عاد هذا الإنسان المتبوع الولي إلى المراتب الكونية ونزل وتحقّق بالنقطة الاعتدالية الزمانية ليرتفع بذلك النزول فيها أو لينبىء عن حقيقة وحدة ذلك الاسم وعدالته كل من كان وجوده وحقيقته منتسبة إليه وإلى ذلك الاسم الظاهر السلطنة ومنتشئة منه حتى يظهروا بجميع أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم على وفق اقتضاء ذلك الاسم وأحكامه وآثاره بحسب ذلك الزمان وحكم سلطنة معينة .
فإن كان خليفة كاملا يكون إنباؤه بالكتاب الحكيم المختصّ به ، وإن كان ممن هو دونهم كان إنباؤه بشرع يتعبّد به هو لنفسه ، أو يتعبّد به كل تابع له بحكم إذن عالم بالإخبار والإنباء لكل من ينتسب وجوده إلى ذلك الاسم المنسوب إليه وجود ذلك النبيّ .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 113
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١١٣