تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
حيث نسبة ظهوره بصورة التفصيل في اللّوح بموجب أمر « اكتب ما هو كائن » ، وتوجّه نحو العالم للإصلاح والتدبير والتربية بوصف الكلّي الجملي لهذا المزاج الأعدل المسوّى في أكمل وقت وأعدل ساعة . ثم ظهر في أيمن الأوقات والساعات في عالم الحسّ وأضاء بنوره عند ظهوره العالم شرقا وغربا ، كما أخبرت أمّه آمنة عن ذلك في حديث طويل ، ثم تصدّى لتربيته من المهد إلى أوان بلوغه ذلك التجلّي الأول ومفاتيح الغيب سرايتها في الأسماء الكلّية والجزئية ومظاهرها كلّها ، إلى أن حملته حرارة مطلوبيّته على التخلّي في غار حراء وأمرته إمارة محبوبيته بأن يتحقّق بسر إسراء
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى
[ الإسراء : الآية 1 ] حتى انتهى إلى ما انتهى من الكمال والأكمليّة التي ما فوقها رتبة ولا غاية ولا مبدأ ولا نهاية في النبوّة والرسالة والولاية ، والحمد للّه وحده على تلك الكفالة والكفاية وكمال العناية التي من أكملها نفعا وأشملها حكما تعيّن ميزان قولي كلّي جمعي أكملي له هو الكتاب العزيز والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد المبين ، والمتضمّن هذا الكتاب بيان شريعته العام الحكم الشامل النفع الجامع خلاصة جميع الشرائع المتصدّية لتكميل الهيئات البدنية ؛ كالأفعال والأقوال ، ومتضمّن أيضا بيان دقائق علم الطريقة المتعلّق بها تكميل الهيئة النفسانية والروحانية ؛ كتعديل الأخلاق ومعرفة آفات النفس ونحو ذلك ، ومتضمّن أيضا بيان علم الحقيقة الذي هو معرفة الحقّ تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، فكان الظاهر والنازل من الغيب إلى الشهادة ؛ كتابين أحدهما كتاب فعلي والثاني كتاب قولي . أمّا الأوّل : فهو الكتاب المبين الظاهر بالقدرة والفعل وهو العالم ، فكل حقيقة مفردة كلّية منه إذا اعتبرت من حيث انفرادها من لوازمها وتوابعها هي بمنزلة حرف ، وإذا اعتبرت من حيث قابليتها الأصلية لإضافة الوجود إليها وقبولها ذلك باستعدادها كانت بمثابة اسم . وإذا اعتبرت من حيث نفس قبولها ذلك بأثر الطلب الاستعدادي كانت بمنزلة فعل ، وإذا اعتبرت مقترنة بالوجود بحكم تلك اللوازم المذكورة فأفادت معنى الخلقية والموجودية وحكم الغيرية كانت بمنزلة كلمة ، وإذا أفاد ذلك الاجتماع معاني متناسبة دالّة على حقيقة واحدة ؛ كإضافة الحياة والعلم والإرادة ونحو ذلك إلى تلك الحقيقة كانت بمثابة آية ، وإذا أفاد ذلك مع جميع مرتبة من المراتب