والشيخ رضي اللّه عنه يرى أنّ كلّ ما سكنت النفس إليه فهي مفتقرة إليه وإنّما الغنى الذي لا فقر فيه ، هو أن لا تسكن النّفس إلى شيء ، وقد ورد في المواقف في أثناء كلام : ثمّ انظر إلى قلبك ، فأينما ما وقف ، / فهو من أهل ما وقف فيه ، إنّ لي قلوبا لا تقف في شيء ، ولا يقف فيها شيء ، هي بيوتي ، وفيها أتكلّم بحكمتي ، ومنها أتعرّف إلى خليقتي ، فهذه القلوب هي قلوب الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، وبقدر ما يرث الوارثون من ذلك يكون نصيبهم ، والذي يخصّ هذه الدّرجة هو الكلام الأوّل ، لا ما ورد في المواقف .
قوله : ومسالمته للحكم ، المسالمة هي ضدّ المحاربة ، والحكم على معنيين :
أحدهما : مسالمة القلب بحكم اللّه في قضائه وقدره ، فلا يعارضه ، أي لا يريد سوى مراد اللّه تعالى فيما قضى وقدّر .
والغنى الثاني للحكم الذي في كلّ مسألة من مسائل العلم ، وذلك أنّ في كلّ مسألة من مسائل العلم حكم تعلّق بجانب الحقّ لا إلى نفسه ، من باب توحيد الأفعال ، وقد مرّ نظير هذا كثيرا .
وفيها أيضا تعلّق بجانب العبد ، وهو نسبة العمل بها إلى العبد لا إلى الحقّ ، فمن نسب العمل بتلك المسألة إلى فضل اللّه وفعله لا إلى نفسه ، فقد سالم الحكم الإلهيّ ، ولم يحاربه بالمقاومة .
فبهذين المعنين يفهم الحكم ومسالمته .
قوله : وخلاصه من الخصومة ، يعني ، أنّ العبد إذا سالم حكم اللّه تعالى في مخلوقاته ، لم يخاصم أحدا من المخلوقات ، فهذا هو معنى الغنى في الدّرجة الأولى .
منازل السائرين ( شرح التلمساني ) — صفحة 312
مساهمون: عبد الحفيظ منصور
ص٣١٢