والبنوّة والأدب النّبويّ التي يتمتّع بها هذا الفذّ أن تغيب عن عين هذا الأب وقلبه .
فالمحبّة التي تكون خاصّة للحقّ ، والأبوّة والبنوّة التي تكون خالصة للّه ، لا تتغيّر أبدا .
مثلما يقول الحقّ تعالى إنّه في يوم القيامة ، في تلك الغلبة الشديدة وشدّة الهيبة وقول الإنسان : نفسي ، نفسي ، تقطع صلات القربى كلّها ، ويفرّ القريب من قريبه ، والنّسيب من نسيبه ، ويدير كلّ منهم وجهه عن الآخر ملتفتا إلى وجه وقته ، ما عدا القرابة والأبوّة والبنوّة والأخوّة التي تكون للّه ؛ فإنّ زلزلة السّاعة لا تقطع تلك القرابة ؛ يبحث هؤلاء الأقرباء بعضهم عن بعض ويتعاونون في قدرهم ومقامهم وقربتهم
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
[ الزخرف : 67 ] . وهذه الدّرجة للمتّقين المقلّدين الذين لديهم إيمان وصدق في قلوبهم ، لكنّ أعينهم مغمضة ، مثلما يعرف الابن الطفل الأعمى أمّه ويرضع حليبها ، ولكنّه حين يسأل : ما لون أمّك ، أهي سمراء ، شقراء ، بشوش ، طويلة ، قصيرة ، دقيقة الأنف ، نحيلة ، طويلة العنق ؟ لا يستطيع أن يسمّي أيّا من هذه العلامات إلّا بالتقليد والسّماع . أمّا المتّقون الذين فتحت لهم الأعين وأعطوا القدرة على أن يفتحوا عين من يشاؤون ويجذبوا أذنه للإصغاء ويحيوا الميت ، فماذا أقول عنهم ؟ القيامة من أجلهم ابتغاء أن يتحقّق ما قالوه للخلق وهدّدوهم به
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ
[ إبراهيم : 47 ] . وهكذا ، فالقيامة على الآخرين يوم وعيد وعلى العباد الخواصّ يوم عيد ووقت مزيد . ولن أعيّن من هو هذا العبد الخاصّ في زماننا ، لكنّني أسأل الحقّ تعالى أن ينوّر عين فريد [ 109 ] العالم هذا وقلبه بنوره ويعطيه المزيد لكي لا يحتاج إلى قول أحد وتعريف أحد .
أيّها القلب ، إلى متى أنت في سجن الخداع هذا ترى هذا وذاك ؟