تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل مولانا ( معرب عاكوب ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
مرّ . فقال المصطفى : قم وأعلمه بهذه المحبّة . فلو كان في هذا الإعلام آفة الرّياء ، لما أعطى مبصر دقائق العالم والبشر فتوى بهذا الإعلام : « من أحبّ منكم أحدا فليعلمه » . كذلك فإنّ ملك الأمراء محبّ لحضرة الحقّ ، وباللّطف والإحسان ورعاية المساكين يعلم بصدق محبّته تلك الحضرة [ اللّه سبحانه ] ، التي هي غير محتاجة إلى الإعلام ، لكنّها تحبّ الإعلام . برغم أنّ ذلك الخلق واللطف وتلك الرحمة والملاطفة للمساكين لا تغدو حجابا عن الاعتماد على اللّه والتوكّل عليه لدى ملك الأمراء ، فيغفل عن مكر الحقّ . ذلك أنّ من يتوكلّ ويختار جانب الحقّ مرّة واحدة هو الذي لا يحتاط مئة ألف احتياط . فإنّ فرعون قد قطع رؤوس مئة ألف طفل بريء من بني إسرائيل احتياطا واتّباعا للحزم ، ومن كان أصلا وخصما ربّاه في قصره في حضنه ودلّله آلاف أنواع التدليل . هكذا يكون فكره الغطاء لعينه . ولو اعتمد على الحقّ ، لجعل الحقّ ذلك كلّه أوتادا لتثبيت ملكه وتوطيده وأضفى عليه المحبّة والشّهرة ، على غرار ملك داود وسليمان . والمرجوّ أن يخصّ العبد المقصّر ، فلانا ، بالعفو والرّحمة من أجل إرضاء قلب هذا الدّاعي ، وأن يتوكّل على الحقّ في دفع الشّرور والآفات لكي يكون هذا الدّاعي رهين المنّة . وإنّ إحدى علامات السّعادة أنّه عندما يجيء الظفر والنّصر يحوّله إلى محض عناية الحقّ ، ويراه من الحقّ ، لا من تدبيره ومهارته . ضاعف الحقّ تعالى هذا التوفيق لكي يجتهد في تحصيل رضى الحقّ لا في جمع رأيه .
قال العطّار ما عرفه * والباقي كلّه ملك من يستمع
[ 107 ] والحمد للّه ربّ العالمين .