الأسباب التي صنعتها لكي توصل إليّ أبي وإخوتي ، وبعد مثل هذا الفراق أذنت بالوصال
إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ
[ يوسف : 100 ] . هم كانوا في ولاية كنعان وأنا في مصر ، ولا علم لهم عنّي ، أحدثت في العالم قحطا وجفافا حتّى صار إخوتي وأبي في حاجة إلى الخبز ، فاشتروا الخبز بالذّهب وزنا بوزن ولم يحصلوا عليه ، وصيّرتني أنا يوسف ملكا لمصر وأذعت اسمي في العالم [ إذ صار يقال ] إنّ ملك مصر يعطي قمحا ويرخص ويعطي الكثير ويقبل من الدرويش الفضّة الزائفة [ 108 ] بدلا من الذهب الخالص ، ويعطي قمحا ، وجاء إخوته من أقصى بلاد كنعان إلى مصر بناء على هذه السّمعة ، ولم يكن لديهم وهم في أننا نمضي نحو أخينا ، وأنّ ملك مصر هو أخونا ، وإذا كانوا يعلمون فأين جاؤوا ؟ وبأيّ وجه جاؤوا ؟
فيا لها من أسباب لطيفة غريبة صنعها فاعل الأفعال لكي يجمع يوسف الصّدّيق مع إخوته . في اللّيل والنهار ، يصنع مئة ألف عمل من هذه الأعمال ويفصل أقواما ويفرّق جماعات ، ويلقي موج التقدير كلّ واحد في مدينة ، ثمّ من جديد يخلق أسبابا وبموج بحر التقدير يجمع من جديد هذه الأسباب المفرّقة . ونؤمّل من رحمة هذا الفعّال لما يريد أن يصل الأسباب اللطيفة المباركة بعد هذا الفراق الطويل ، مثلما يسّر الوصال الأوّل الذي لم يكن في الوهم . إنه على ذلك قدير ، وبالإجابة جدير .
الحقّ تعالى عليم
وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً
[ النساء : 70 ] بأنّ المحبّة والدّعاء بالخير والعشق والاهتمام نفسها التي كانت في أيّام الوصال إذ يرى كل منّا صورة الآخر ، ما تزال قائمة ، وقد ظلّ خيالكم وأحوالكم أمام العين في أيّام الفراق هذه ، ولم ينطبق علينا القول المأثور « من غاب عن العين غاب عن القلب » وحاش للّطف الملكيّ