مصالحهم من جهته . فلا فرق بين أن يؤدى ذلك إليهم بالخبر ، ويعلمون صحته باضطرار ، وبين المعرفة من جهته بالسماع والمشاهدة .
فإن قال : جوّزوا بعثته إلى من ليس شريعته في مصالحه فعلا ، إذا كانت من مصالحه تحملا وأداء « 1 » .
قيل له : إن من هذا حاله قد عادت الحال إلى أن شريعته من مصالحه ؛ لأنه لا فرق بين أن يلزمه العمل بالصلاة التي يؤديها والتمسك بها وبين أن يلزمه معرفتها ، من قبله ، وتعليمها لغيره ؛ لأنه تكليف متعلق بالصلاة ومن جهته علم كونه مصلحة له فيما كلّف من جهة العقل . فمن هذا حاله يجب البعثة إليه ، على ما قدمناه ؛ لأنه قد دخل في الجملة التي قدمنا ذكرها .
وعلى هذا الوجه جوّزنا في الرسول أن تكون شريعته مصلحة لغيره ، وتكون المصلحة في تحملها وأدائها فقط . فإذا جاز ذلك فيه لم يمتنع مثله في بعض أمته .
ولهذه الجملة قال شيوخنا ، رحمهم اللّه ، إن تقديم خلق القرآن إنما حسن ، لما فيه من المصلحة لمن يتحمله فيؤديه ؛ وجوّزوا ألّا يكون فيما تضمنه ما هو مصلحة لهم فعلا ، وإن كانوا قد اختلفوا في ذلك بعض الاختلاف . وعلى هذا الوجه ، جوّزنا ألّا يكون في تكليف الملك المبعوث إلى بعض الرسل إلا التحمل بالأداء ، وهذا بيّن .
فإن قال : هلّا قلتم إنه تعالى يبعث الأنبياء ليعرّفونا الفرق بين ما يضر كالسموم القاتلة ، إلى ما يجرى مجراها ، وبين ما ينفع كالأدوية والأغذية ، وقد « 2 » علمتم أن هذا مما لا يتوصل إليه ، مع اختلاف أحوال العالم فيه بالعقل ، ولا بالتجارب ، ومصالح الدنيا في أنه يحسن من اللّه تعالى أن يعرفناها « 3 » كمصالح الدين ؛ والتكليف قد يتعلق بها كما يتعلق بما طريقه الدين ؟ فجوّزوا البعثة لهذا الوجه . ومتى جوّزتم ذلك لزمت البعثة في سائر أحوال التكليف ، ولم تصح القسمة التي ذكرتموها .
هامش
( 1 ) في « ب » « ارا » وفي « ا » : « ارآ » .
( 2 ) سقطت « قد » من المخطوط ب .
( 3 ) هكذا في « ا » ، « ب » .