الّذي ذكرناه على تسليم أن ذلك لا يعرف إلّا من قبل الأنبياء عليهم السلام . فأما إذا قيل بما ذكره شيخنا « أبو علي » ، رحمه اللّه ، من أن ذلك يصح بالتجارب ، أو يعلم على الأيام والأوقات ، فإضافته إلى النبوات لا يصح كما يصح في سائر التجارب المتعلقة بالعلاجات ، واتخاذ الأطعمة ، إلى ما شاكل ذلك . والّذي ذكره متعالم لأنا نعلم ، في كثير من الأمور ، ما تقع فيه الزيادات بالتجارب ، ولا يمتنع ، على الأوقات والأحوال ، فيه ذلك . وليس ذلك بمستنكر ، إذا طالت فيه المدة وتراخت الأوقات والأعصار :
فبين « 1 » مجرّب في الأصل وبين عارف بالخبر ؛ وبين من يضم إلى الشيء ، في التجربة ، غيره « 2 » ، على طريقة المقايسة ، وبين من يركّب الأمور بعضا على بعض ؛ وبين من يعمل في الجملة بعلمه ، وفي التفصيل بغالب « 3 » ظنه ، وبين من يقدم على التجربة كالإتلاف بتسفير « 4 » تجارته إلى غير ذلك ؛ لأن هذا [ الباب ] « 5 » ، وإن بعد في القليل من الأزمان فليس يبعد في الكثير من الدهور والأعصار . ولا يمتنع في « 6 » أصول التجارب أن تكون علوما ، وأن تكون أمارة وظنا ، وأن تكون أمرا واقعا على طريق الاتفاق .
فليس لأحد أن يعترض ما قلناه . فإن التجارب إذا كانت تتفرع على أصل فلا بدّ من أن يكون معلوما بالسمع ؛ لأن الّذي ذكرناه يبين القول فيه . وقد ذكر أهل هذا الشأن ما يدل على ما قلناه ؛ لأنهم بيّنوا في العقاقير والأدوية الكبار كيف وقفت التجربة فيها ، وكيف وقعت الزيادات عليها بعد الأصول ، وكيف كانت حال أوائلها .
وإذا كان ذلك جائزا من أهل هذا الشأن فما الّذي يوجب تعليقه بالسمع ؟
فهذه الجملة تزيل التعلق ، في وجوب البعثة ، لهذا الوجه . وتبيّن فساد التعلق بذلك في إثبات النبوات على ما حكى عن كثير من المتكلمين .
فإن قيل : هلّا قلتم بوجوب بعثة الرسل إلى جميع المكلفين لأن من قبلهم ،
هامش
( 1 ) هكذا في « ا » ، « ب » والسياق لا يستقيم إلا إذا حذفنا الفاء وجعلنا ما يلي تتمة للجملة السابقة .
( 2 ) في « ب » : « عنده »
( 3 ) في « ب » : يغلب
( 4 ) سفر المال ، قل أو ذهب . [ القاموس المحيط ] .
( 5 ) سقطت من « ب »
( 6 ) في « ب » : « من »